الوضع الاقتصادي في تونس في ظل ميزانية 2027 يشبه تلك المناشير التي توزعها الأحزاب في الحملات الانتخابية ، فما بين الوعود والواقع الموضوعي ، أو الطموح و الامكانيات مسافات تضيق وتتسع .
ليتضح الحال أكثر نضع أمام القارئ المعطيات التالية :
1 ) حجم الميزانية والنفقات: تقدر النفقات بـ 68.895 مليار دينار مقابل مداخيل بـ 54.280 مليار دينار.
2 ) عجز الموازنة القياسي: يبلغ الفارق الحسابي والعجز 14.615 مليار دينار (ما يعادل 7.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي).
3 ) معضلة الدين العمومي: من المتوقع أن يقفز الدين العام لتونس ليصل إلى 85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2027.
هذه الأرقام هي بمثابة "التقرير المالي" الذي يحدد كيف ستعيش الدولة التونسية وتدير مصاريفها،
وتكشف بوضوح أن البلاد تعيش حالة "تأزم مالي" حرج يجبرها على الاقتراض الشديد لتصريف الأمور .
مصاريف أكثر من المداخيل
كما تشير الأرقام، فالحكومة خططت لإنفاق 68.895 مليار دينار (لتغطية أجور الموظفين، دون زيادات معتبرة، وتسيير المستشفيات والمدارس التي تشكو من عديد النقائص، و دعم بعض المواد الأساسية حيث ارتفعت أسعار بعض المواد كالزيت أكثر من 5 أضعاف مما كانت عليه سنة 2021 ). في المقابل، كل ما تستطيع الدولة جمعه من مداخيل (عبر الضرائب، استخلاص المعاليم الجمركية، أرباح الفوسفات، وغيرها) هو 54.280 مليار دينار فقط بما يعني أن المصاريف أكثر من المداخيل. وبالتالي نجد فجوة (نقص) بقيمة 14.615 مليار دينار، هذا هو "العجز".
مؤشر اقتصادي أحمر
ماذا يعني 7.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي؟
الناتج المحلي هو مجموع قيمة كل ما تنتجه تونس من سلع وخدمات في سنة. عندما يمثل العجز 7.3 في المائة منه، فهذا مؤشر اقتصادي "أحمر" وخطير، لأن النسبة الآمنة عالميا للعجز يجب ألا تتجاوز 3 في المائة مثل الحجم الطبيعي أو قل المقبول للتضخم . وجود عجز بهذا الحجم يعني أن تونس مجبرة على البحث عن هذه الـ 14.6 مليار دينار بأي طريقة (سواء عبر القروض أو طباعة العملة) لتسديد مصاريفها الأساسية.
المعطى الآخر هو ارتفاع نسبة الدين العام.
فقد قفز الدين العام إلى 85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، يعني أنه لو قامت تونس ببيع كل ما تنتجه في عام كامل، فإن 85 في المائة من ثمنه سيذهب فقط لتسديد الديون المتخلدة بذمتها، تصوروا هذا حال الوضع الاقتصادي في البلاد . هذا المؤشر يعني أن الدولة أصبحت مخنوقة ماليا، فجزء كبير من ميزانيتها السنوية القادمة لن يذهب لبناء مستشفيات أو مدارس رغم الحالة الكارثية للموجود كله، على مستوى الخدمات، والبنية التحتية والميزانية التشغيلية أو تحسين البنية التحتية، بل سيذهب لـ "خدمة الدين" (أي دفع الأقساط والفوائد للبنوك الداخلية والخارجية. وهذا ما كانت و ستكون له تداعيات خطيرة على الطاقة أو المقدرة الشرائية للمواطن وهو ما يكشف غياب سلع وانقراض أخرى من الأسواق، فالعجز والدين يفسران سبب النقص الحاصل في بعض المواد الأساسية، وصعوبة فتح مناظرات توظيف جديدة في الوظيفة العمومية.
وبدون لغة الأرقام سيبقى جزء كبير من الشعب التونسي غارقا في التبريرات البدائية التي تروجها بعض وسائل الاعلام أو أبواق السلطة، الغارقة في الجهل و الغفلة .
آفاق الوضع المزري
ليس هناك أي بصيص أمل في تحسن الوضع الاقتصادي وانعكاساته على الوطن والمواطنين في ما تبقى من العام الجاري و2027 بناء على المعطيات المتوفرة التي قدمنا لها بما سبق.
فالدولة تعاني من انخفاض مخزون العملة الأجنبية ليغطي نحو 93 يوما فقط من الواردات فقط. وبسبب إعطاء الأولوية القصوى لدفع أقساط الديون الخارجية وتجنب التخلف عن السداد، ستستمر الدولة في تقسيط اعتمادات الشراء الخارجي للمواد الأساسية، مما يتسبب في شح دوري للمواد بالأسواق . وستواصل الحكومة الفاشلة لجوءها لتمويل العجز داخليا عبر تسهيلات مباشرة من البنك المركزي التونسي (بقيمة 9.8 مليار دينار) وهو ما يعني عمليا ضخ سيولة نقدية دون نمو حقيقي موازٍ في الإنتاج (حيث تشير توقعات صندوق النقد إلى نمو متواضع بـ 2 في المائة في أحسن الحالات، كما هناك مؤشرات تفيد بصعوبة الوصول إلى ذلك الرقم في 2027). هذا الرهان سيؤدي حتما إلى تراجع القوة الشرائية للدينار وتعميق التضخم، خاصة في المواد الغذائية لا سيما تلك التي لا يشملها الدعم والسلع الحرة. كما أن اقتراض الحكومة لـ 19.8 مليار دينار من البنوك المحلية سيزاحم المؤسسات الخاصة والأفراد على القروض. وستفضل البنوك إقراض الحكومة على تمويل المشاريع الخاصة، مما يؤدي إلى "شح في الاستثمار الخاص" وصعوبة في توسع الشركات الصغرى والمتوسطة . وبما أن الضرائب تمثل أكثر من 91 في المائة من مداخيل الدولة لعام 2027، فإن الأشهر القادمة ستشهد حملات استخلاص صارمة ومحاولات لتوسيع قاعدة الأداءات وتشديد الرقابة الجمركية..
هذا الضغط سيتحمله الأجراء وموظفو القطاعين العام والخاص، مما يؤدي إلى انكماش ملحوظ في مداخيلهم الصافية. وستجد الطبقة المتوسطة نفسها مكشوفة تماما. وسيتعين على هذه الطبقة دفع كلفة أرفع في مجالات الصحة، والتعليم الخاص، والنقل، لتغطية العجز التدريجي في جودة الخدمات العمومية . ونظرا للجهود الحكومية الرامية للسيطرة على كتلة الأجور الضخمة (التي تغطي أكثر من 692 ألف موظف)، ستبقى التعيينات في الوظيفة العمومية شبه مجمدة ومقتصرة على قطاعات حساسة جدا. هذا الأمر سيبقي على مستويات البطالة مرتفعة في صفوف حاملي الشهادات العليا وستبقى الوعود تراوح مكانها .
ما الذي ينتظر الشعب ؟
زيادة الضرائب ينجر عنها زيادة الأسعار
وفي ظل وجود موظفين لم يحصلوا على ما يغطي زيادة الاسعار، فضلا عن طبقات مسحوقة تعمل في السوق السوداء وعاطلين عن العمل وأرباب أسر، فإن أزمة اجتماعية تطل برأسها على تونس .
الضرائب بدون نمو اقتصادي وبدون زيادة موازية في الأجور تتحول إلى "كماشة معيشية" تطحن الفئات الضعيفة وتدفع بالاقتصاد نحو حالة من الركود التضخمي والاستقطاب الاجتماعي الحاد . ويمكن اختزاله في بعض العناوين :
1 ) الفقر لن يقتصر على العائلات المعوزة المسجلة في دفاتر الدولة، بل سينتقل إلى عائلات الموظفين والأجراء (الطبقة المتوسطة الصغرى )
2 ) هذه العائلات ستجد نفسها عاجزة عن تغطية المصاريف الأساسية (كفواتير الكهرباء والغاز، إيجار المنازل، مصاريف التعليم والصحة) وسيتحول سلوكها الاستهلاكي إلى "سياسة البقاء"، أي التخلي تماما عن أي مواد غير حيوية والتركيز فقط على الغذاء الأساسي المتاح. علما بأن نسبة تقدر بأكثر من 50 في المائة تعيش هذه الحالة في الوقت الراهن وهي نسبة ستزيد بشكل مخبف .
3 ) الهروب من النظام الجبائي وامتلأء السجون، فعندما تصبح الضرائب خانقة والوظائف مفقودة، سيتوقف التجار الصغار خاصة عن دفع الضرائب لعدم مقدرتهم على ذلك مما يحرم خزينة الدولة من المداخيل المتوقعة ويعمق الأزمة..
4 ) وستكثر (الأسواق الموازية، التجارة الحدودية، العمل الحر غير المصرح به ، وأشد من ذلك انتشار ظاهرة البراكاجات والسرقة أو بيع المخدرات وبقية الممنوعات )
5 ) وجود عوائل أربابها عاطلون عن العمل في ظل غلاء الأسعار يعني أن السلم الاجتماعي سيصبح مرتبطا مباشرة بـغريزة البقاء على قيد الحياة، مما يدفع بالبعض للبحث عن حلول خارج حدود المتوفر، وحتى الانتحار كما حصل في الفترة الماضية عندما أقدم نحو 5 أفراد على الانتحار بطرق مختلفة في أماكن وأوقات مختلفة بالبلاد .
6 ) ستزداد القبضة الأمنية وارهاصاتها بادية للعيان لمنع أي اضطرابات اجتماعية أو احتجاجات مناطقية مفاجئة قد تنجم عن الجوع أو النقص الحاد في المواد الحيوية.
7 ) تجميد الانتدابات وغلاء المعيشة سيدفع بالشباب، سواء من حاملي الشهادات العليا العاطلين أو من الفئات المفقرة، إلى رؤية الهجرة (الشرعية والنظامية للأدمغة، أو غير النظامية عبر البحر) كحل وحيد متاح لإنقاذ أنفسهم وعائلاتهم من الفقر والجوع والحرمان والاذلال اليومي .
نار في آخر النفق
الحديث عن جباية خانقة وغلاء أسعار ناري
مع غياب التنمية يطرح تلقائيا فرضية "انفجار الشارع" كأحد السيناريوهات المطروحة في تونس، ويمكن استحضار أحداث الخبز 1984 أو ثورة 17 ديسمبر 2010 14 جانفي 2011. في هذا الباب فالأوضاع متشابهة إن لم تكن أكثر قتامة الآن . ففي 2011، كان الاقتصاد التونسي يحقق نموا يقارب 4.5 في المائة، وكانت خزينة الدولة ممتلئة، والناس ثارت ضد "التوزيع غير العادل للثروة والفساد العائلي" وغياب الحريات .
اليوم، الأزمة هي أزمة شح ثروة وإفلاس مالي للدولة نفسها، فالخزينة فارغة والعجز قياسي والحريات مخنوقة .
وفي ظل ما سبق لا يمكن الحديث عن استقرار. فالتاريخ التونسي يعلمنا أن الاستقرار الظاهري خداع، وأن غياب التنظيم الحزبي لا يمنع الانفجار، بل يجعله أكثر عشوائية وضراوة. وميزانية 2027 بفرضياتها الجبائية القاسية تلعب بالنار في محيط من الصواعق الاجتماعية الجاهزة للاشتعال، والرهان الحقيقي للسلطة اليوم لا يجب أن يكون على ضعف المعارضة، بل على مدى قدرتها على تجنب الصاعقة التي قد تحول 'صبر التدبر' اليومي إلى 'بركان عفوي' لا يمكن التنبؤ بمساره أو احتوائه، وتصبح الاحزاب المقيدة، والمراقبة ، والمنكل بها آمل الجماهير. فلم تكن عشرية الثورة بكل ما قيل فيها وعمل الكثيرون على إفشالها بهذا السوء بل أصبحت ملهمة للجماهير وحتى النخب .