لم تبدأ الأكاذيب الكبرى بعد الثورة فضلا عن بعد 25. لقد انطلقت مبكرا، وتصاعدت وتيرتها، وتولى كبرها حزب الدستور، خاصة في عهد محمد الصياح، وخاصة مع جريدة الحوار Dialogue التي أصدرها الحزب أواسط السبعينات، وأشرف عليها الصياح، وكان ذلك باتفاق موضوعي مع الهياكل النقابية المؤقتة في الجامعة ومع التيارات السياسية التي نبتت من الهياكل خاصة الوطد.
وكان من ذلك تلك الكذبة الكبرى التي رددوها بإصرار، مع أنه لا يمكن أن يصدقها أي عقل، ولكنهم كانوا مصرين على ترديدها بوعي قوبلزي نازي. لقد كانوا أشاعوا في إطار تبرير حملات العنف التي كانوا يمارسونها ضد الإسلاميين: "أن الخوانجية أدخلوا للمركب الجامعي دبابة مفككة لتصفية اليسار" !!!!
لم تتوقف حملات الأكاذيب الكبرى والإصرار عليها. وتعاضد اليسار والدساترة في شن حملات الافتراء والتضليل. وفي نفس الوقت كان اليسار لا يتوقف عن رفع شعار: "سحقا سحقا للرجعية دساترة وخوانجية"!!!
لم تتوقف الأكاذيب، ولكنها لم تُوقف تقدم الاسلاميين ...
وبعد 7 نوفمبر اندمج اليسار الاستئصالي في حزب الدستور (التجمع) الحاكم وفي الدولة وواصلوا حملة الأكاذيب الكبرى ...
لم تتوقف الأكاذيب الكبرى، وفي المقابل لم يتوقف تقدم الإسلاميين ...
ثم جاءت الثورة ... وأنفق كلا الفريقين مما عنده: الاستئصاليون بصناعة أكاذيبهم الكبرى، والاسلاميين بتقدمهم في ميدان الدولة والمجتمع ...
وكلما تقدم الاسلاميون خطوة زاد سعار الأكاذيب الكبرى اشتعالا ...
وفي كل مرحلة يُثلم في جدار الإستئصاليين ثلمة يمثلها أولائك الذين عاد إليهم رشدهم وتحرروا من كابوس التضليل الذي جثم على عقولهم وقلوبهم ...
وها نحن نشهد أن الثلمة أصبحت ثلمات، وأن الاستئصاليين يضيق عليهم الخناق ...
طوأن الاسلاميين بأخطائهم وعثراتهم لا زالوا هم عمود البيت الوطني وركيزته ...
صحيح أنها صراعات دامية، ولكنها كانت طبيعية بالنظر إلى مجتمع "اغترب بعد الاستعمار أكثر مما اغترب خلاله" على حد عبارة الشيخ راشد الغنوشي.
صراعات بذل فيها الاسلاميون الغالي والنفيس، وقبل ذلك الدم الأحمر القاني لشهداء الهوية والحرية والديمقراطية ... وذلك شرف لهم، وقد احتسبوا ما أصابهم لله ثم لوطنهم. وقد كانت تلك الصراعات ضرورية لهم، لتُستصفى فكرتهم، وتنضج برامجهم، وليقربوا أكثر فأكثر من مزاج شعبهم. بدأوا غرباء وتلك طبيعة حركات التغيير في بدايتها، ولكن كان على حركتهم أن تتماهى مع روح شعبها ومزاج شعبها ...
فلا خوف من الأكاذيب والأباطيل فإنها لن ترتد إلا على أصحابها و "إن الباطل كان زهوقا" ...