ليس كل تغيير سياسي تغييرا في المجتمع، وليس كل تحول في المؤسسات قطيعة مع الماضي. فقد تتبدل أنظمة الحكم، وتتغير القوانين والدساتير، وتتراجع نخب وتصعد أخرى، بينما تستمر في المجتمع تصورات وعادات وانتظارات تعيد إنتاج بعض ما بدا أن التغيير قد تجاوزه. وقد يحدث العكس أيضا: تتغير المجتمعات في أعماقها قبل أن تتمكن من ترجمة تحولاتِها إلى مؤسسات وقواعد سياسية جديدة.

لكن هل يكفي أن ننظر إلى العلاقة بين الوقائع السياسية والذهنيات الاجتماعية لفهم هذه المفارقة؟ ألا ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن الدولة والمجتمع لا يتحركان في فضاء مغلق، وأن ما يحدث داخلهما يتأثر أيضا بموازين القوى الإقليمية والدولية، وبأشكال الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي، وبانتقال الأفكار والنماذج الثقافية، وبالحدود التي تفرضها البيئة الجيوستراتيجية على القرار الوطني؟

تتيح التجربة التونسية التفكير في هذه الأسئلة مجتمعة. فمنذ بناء دولة ما بعد الاستعمار المباشر إلى الثورة ومسار الانتقال الديمقراطي، وصولا إلى التحولات التي عرفتها البلاد منذ 25 جويلية 2021، لم يكن التاريخ التونسي مجرد تعاقب لأنظمة حكم أو صراع بين قوى سياسية. كان أيضا مسارا لتشكل علاقة مخصوصة بين الدولة والمجتمع، وبين التحديث السياسي والاجتماعي، وبين الموروث التاريخي وتطلعات التغيير، وبين الإرادة الوطنية وشروط الحركة في عالم غير متكافئ.

ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين ثلاثة مداخل: تاريخ الوقائع، وتاريخ الذهنيات، والتحليل الجيوستراتيجي. فكل واحد منها يكشف جانبا من الواقع، لكن أيا منها لا يستطيع، بمفرده، أن يقدم تفسيرا كافيا لمسارات التغيير وحدودها.

الوقائع والذهنيات: ما الذي يتغير، وما الذي يستمر؟

يهتم تاريخ الوقائع السياسية والاجتماعية بالأحداث والفاعلين والقرارات والمؤسسات، وبالشروط التي أدت إلى نشوء حدث معين والنتائج التي ترتبت عليه. أما تاريخ الذهنيات، الذي تطور خصوصا في إطار مدرسة الحوليات الفرنسية، فيسعى إلى فهم التصورات والقيم والمعتقدات والمخاوف التي تشكلت عبر الزمن، وأصبحت تؤثر في الطريقة التي يدرك بها الناس العالم ويتصرفون داخله.

لا يتعلق الأمر بتعارض بين مدرستين، بل باختلاف في زاوية النظر. فتاريخ الوقائع يساعدنا على فهم كيف وقع التغيير، ومن ساهم فيه أو قاومه، وبأي أدوات. أما تاريخ الذهنيات فيساعدنا على فهم لماذا استقبلت الجماعات الاجتماعية التغيير بطرق مختلفة، ولماذا استمرت بعض التصورات بعد زوال المؤسسات التي كانت تعبّر عنها أو تدعمها.

ولنأخذ مثالا بسيطا: قد يضمن دستور جديد حقوقا وحريات لم تكن معترفا بها من قبل، لكن وجود هذه الحقوق في النصوص لا يعني بالضرورة أن الأفراد أصبحوا قادرين على ممارستها، أو أن المؤسسات باتت تتعامل معها بوصفها قواعد ملزمة. وقد تتغير القواعد السياسية، بينما يستمر المواطن في انتظار الحل من السلطة المركزية، أو يظل الموظف يتصرف وفق عادات إدارية تشكلت في ظل نظام سابق، أو يظل الفاعل السياسي ينظر إلى الخصم باعتباره تهديدا ينبغي إقصاؤه لا منافسا ينبغي التعايش معه.

هنا تظهر المسافة بين تغيير القواعد وتغيير الممارسات، وبين التحول القانوني والتحول الاجتماعي. لكنها مسافة لا ينبغي تفسيرها بالتأخر الثقافي وحده. فقد يكون استمرار الممارسات القديمة مرتبطا أيضا بضعف المؤسسات الجديدة، أو بغياب الحوافز التي تشجع على سلوك مختلف، أو بتوزيع المصالح والموارد، أو بالخوف من كلفة التغيير.

فالذهنيات ليست كتلة ثابتة تسكن المجتمع وتقاوم التاريخ من خارجه. إنها تتشكل من خلال التربية والأسرة والتعليم والعمل والإعلام والتجربة السياسية، وتتغير بدورها حين تتغير شروط الحياة وموازين القوة. وما يبدو أحيانا مقاومة ثقافية للتغيير قد يكون تعبيرا عن مصالح مادية، أو عن فقدان الثقة، أو عن تجربة سابقة جعلت الناس أقل استعدادا للمغامرة.

ومن ثم، فإن السؤال ليس لماذا يرفض المجتمع التغيير دائما، بل لماذا تستطيع بعض التغييرات أن تتجذر في الحياة اليومية، بينما تبقى تغييرات أخرى محصورة في النصوص والمؤسسات والخطاب السياسي.

هل تسبق الممارسة السياسية التحول في الذهنيات؟

يمكن للممارسة السياسية أن تسبق التحول في الوعي الجماعي. فقد تفتح الثورة أو الإصلاح المؤسسي مجالا جديدا للحرية والمشاركة قبل أن يكتسب المجتمع الخبرة اللازمة لممارستهما. وقد يجد الناس أنفسهم أمام قواعد لم يألفوها، فيستمرون في التفكير والتصرف وفق ما راكموه من خبرات سابقة.

لكن هذا السبق ليس قانونا عاما. فقد تتقدم التحولات الاجتماعية والثقافية على المؤسسات السياسية، وقد تتغير الممارسة والذهنيات معا، في علاقة متبادلة يصعب فيها تحديد بداية واحدة أو سبب وحيد.

تساعدنا بعض المفاهيم الاجتماعية على فهم هذه العلاقة. فمفهوم «الهابيتوس» عند بيير بورديو يفسر كيف تترسخ في الأفراد أنماط من الإدراك والسلوك تتكون عبر الخبرة الاجتماعية، وتستمر حتى عندما تتغير الظروف التي نشأت فيها. ويساعد مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي على فهم كيف تتحول تصورات معينة إلى ما يبدو بديهيا أو طبيعيا، فلا تعود بحاجة إلى فرض مباشر كي تستمر.

لكن هذه المفاهيم لا تعني أن المجتمع أسير ماض لا يستطيع تجاوزه. فالممارسات الجديدة قد تنتج خبرات جديدة، والخبرات قد تعدل التوقعات، والتوقعات المعدلة قد تخلق بدورها طلبا على مؤسسات مختلفة. كما أن المؤسسات ليست مجرد انعكاس لذهنيات سابقة؛ فهي قادرة على تشكيل السلوك حين توفر قواعد واضحة، وتضمن المساواة في تطبيقها، وتجعل الالتزام بها أكثر جدوى من الالتفاف عليها.

إن العلاقة، إذن، دائرية وليست خطية: تتأثر السياسة بالذهنيات، وتتأثر الذهنيات بالممارسة السياسية. وقد تنجح المؤسسات في تعديل السلوك قبل أن يتغير الاقتناع العميق، ثم يتحول السلوك المتكرر، مع مرور الزمن، إلى جزء من الثقافة الاجتماعية. وقد تفشل المؤسسات في ذلك حين تتناقض قواعدها المعلنة مع ممارساتها الفعلية.

وفي التجربة التونسية مصداق هذه العلاقة. فلئن بدا وأن بورقيبة والدولة التي ترأسها لها يرجع الفضل في التحولات الاجتماعية والثقافية من خلال سن قوانين وقرارات في المجالات القضائية والتعليمية والصحية وغيرها، إلا أن النظر الفاحص في التجربة يتأكد له أولا أن جزء من قراراته استقبلها المجتمع بالقبول لأنه كان مهيئا لها في تطوره من قبل، من ذلك مجال التعليم والمرأة الذي قطعت فيه تونس خطوات منذ ما قبل الاستقلال، وثانيا أن جزء آخر من قراراته استقبلها المجتمع بالاستهجان وحتى عدم القبول كتلك التي تعلقت بتقييد الممارسة الدينية أو الدعوة إلى عدم الالتزام بها مثل دعوته للإفطار في رمضان أو تغيير الأذان، وجزء آخر أكره عليه فاختار مقاومته بطرق غير مباشرة، وهناك جزء فيه طابع تجديد ولم يرى بأسا من استقباله بإيجابية.  

لهذا لا يكفي تغيير السلطة أو إصدار قانون جديد لإحداث تحول اجتماعي مستدام، كما لا يصح انتظار تحول ثقافي شامل قبل الشروع في إصلاح المؤسسات. فالتغيير يحتاج إلى حركة متبادلة: مؤسسات تفتح المجال أمام سلوك جديد، وتجارب اجتماعية تمنح هذه المؤسسات معناها وشرعيتها.

الجغرافيا الاستراتيجية: حدود الفعل الوطني وإمكاناته

غير أن هذه العلاقة بين السياسة والمجتمع لا تجري داخل حدود مغلقة. فالدولة لا تختار سياساتها من قائمة متساوية من البدائل، بل تتحرك ضمن موازين قوة تحدد ما تستطيع فعله، وما تتحمل كلفته، وما تحتاج إليه من موارد وتحالفات.

وتختلف مساحة الاختيار المتاحة لدولة كبرى تمتلك موارد اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية واسعة عن تلك المتاحة لدولة صغيرة أو محدودة الإمكانات. ولا يعني ذلك أن الدولة الصغيرة تفقد سيادتها أو تتحول إلى مجرد تابع، بل إن قدرتها على تحويل القرار إلى نتائج قد تكون أضيق من قدرتها القانونية على اتخاذه. فقد يكون الخيار متاحا من الناحية السياسية، لكن كلفته الاقتصادية أو الأمنية مرتفعة، أو قد تفتقر الدولة إلى الموارد الضرورية لتنفيذه، أو إلى البدائل التي تخفف آثار الضغط الخارجي.

وهنا ينبغي التمييز بين السيادة القانونية والقدرة الفعلية على الاختيار. فامتلاك الدولة حق اتخاذ القرار لا يعني أنها تتحكم في جميع الشروط التي تحيط به، مثلما أن تعرضها للضغط الخارجي لا يعني أنها عاجزة عن المناورة أو التفاوض أو تنويع علاقاتها.

وتبرز هذه المسألة بوضوح في الحالة التونسية. فتونس تتحرك ضمن مجال متوسطي ترتبط فيه مصالحها الاقتصادية والتجارية والمالية بدرجة كبيرة بعلاقاتها الأوروبية، كما تتأثر علاقاتها الأمنية والاقتصادية بمحيطها المغاربي، ولا سيما الجزائر وليبيا، وبالتحولات الأوسع في المجالين العربي والدولي. وتتيح هذه العلاقات فرصا للتعاون والتبادل، لكنها قد تنشئ أيضا أشكالا من الاعتماد، تجعل بعض الخيارات أكثر كلفة من غيرها.

ولا يقتصر العامل الجيوستراتيجي على العلاقات الدبلوماسية أو الضغوط المالية أو الاتفاقيات الاقتصادية. إنه يشمل كذلك التكنولوجيا وسلاسل الإنتاج والطاقة والغذاء، وحركة الهجرة، والتعاون الأمني، ومصادر المعرفة، وأنماط الاستهلاك، وانتقال الأفكار والصور الثقافية. كما يشمل الآثار المتراكمة للتاريخ الاستعماري، وما خلفه من روابط لغوية واقتصادية ومؤسساتية استمرت بعض عناصرها بعد الاستقلال، وإن تغيرت أشكالها ووظائفها.

وبذلك لا يعود الخارج مجرد قوة تتدخل بعد اتخاذ القرار الوطني، بل يصبح جزءا من الشروط التي يتشكل في إطارها القرار نفسه. فهو قد يؤثر في الأولويات، ويحدد بعض البدائل، ويرفع كلفة خيارات معينة، كما يؤثر في تصورات النخب والجمهور عما هو ممكن أو مرغوب أو واقعي.

وهذه نقطة أساسية: إن ما يبدو اختيارا داخليا خالصا قد يكون حصيلة تفاعل بين القناعات السياسية والمصالح الاقتصادية والقيود الدولية، بينما قد يكون ما يقدم باعتباره ضرورة مفروضة من الخارج نتيجة خيارات داخلية سابقة ضيقت مجال المناورة. ولا يمكن معرفة أي العاملين كان أكثر تأثيرا من دون دراسة كل حالة على حدة.

الخارج لا يؤثر في الدولة فقط، بل في المجتمع والذهنيات أيضا

إذا كان تأثير الخارج في السياسة والاقتصاد أمرا ظاهرا، فإن تأثيره في الثقافة والذهنيات أقل مباشرة، لكنه ليس أقل أهمية.

فالمجتمعات لا تتشكل تصوراتها عن الحداثة والديمقراطية والنجاح والاستقرار والهوية من تجاربها الداخلية وحدها. إنها تتأثر أيضا بما يصلها من نماذج اجتماعية وثقافية، وبالصور التي تنتجها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وبالتجارب التي يعيشها المهاجرون، وبالعلاقات التعليمية والمهنية، وبالمقارنة المستمرة بين ظروف الحياة في الداخل والخارج.

وقد يتحول النموذج الخارجي إلى مصدر إلهام للإصلاح، أو إلى معيار يقيس الناس من خلاله أداء دولتهم. وقد يصبح، في سياق آخر، موضع ريبة أو رفض، بسبب تجارب تاريخية سابقة أو بسبب الطريقة التي يُقدَّم بها في الخطاب السياسي والإعلامي. ولا توجد استجابة اجتماعية واحدة لهذه التأثيرات؛ إذ تتفاوت بحسب الأجيال والمناطق والفئات الاجتماعية والتعليم والخبرة الشخصية.

كما أن التأثير الخارجي لا يمر من دون وساطة داخلية. فالنخب السياسية والاقتصادية والثقافية تختار ما تتبناه من نماذج، وتعيد تفسيره وتوظيفه. وقد تستخدم بعض القوى خطاب السيادة لتعبئة المجتمع، بينما تقبل في الممارسة أشكالا من الاعتماد يصعب تغييرها. وقد تتبنى قوى أخرى نموذجا خارجيا باعتباره وسيلة للتحديث، في حين ترى فيه فئات اجتماعية أخرى تهديدا لهويتها أو لمصالحها.

لكن من الخطأ أن نعتبر كل اقتباس ثقافي تبعية، أو كل تحفظ تجاه الخارج تعبيرا عن استقلال في القرار. فالتفاعل مع العالم قد يوسع خيارات المجتمع وقد يحد منها، وقد ينتج معرفة جديدة أو يعمق أشكالا من التفاوت. ويتوقف ذلك على طبيعة العلاقة، وعلى قدرة المجتمع على استيعاب ما يستورده وإعادة صياغته، وعلى امتلاكه مؤسسات تسمح له بالاختيار والنقد والتطوير.

إن تاريخ الذهنيات، بهذا المعنى، لا يمكن أن يكون تاريخا داخليا صرفا. فالتصورات الاجتماعية تتشكل من خلال التفاعل بين التجربة المحلية والعالم الأوسع، وبين ما يختاره المجتمع وما يصل إليه، وبين ما يملكه من قدرة على التكيف وما يواجهه من قيود.

تونس: تحولات كبرى وأسئلة لم تُحسم

منذ الاستقلال، شهدت تونس تحولات عميقة في التعليم والإدارة ومكانة المرأة وأنماط العيش والحياة الحضرية. وأسهم بناء الدولة في توسيع الخدمات والمؤسسات الحديثة، لكنه لم يلغ التفاوتات الاجتماعية والمجالية، ولم يحسم بصورة نهائية العلاقة بين التحديث والحرية، أو بين مركزية الدولة وقدرة المجتمع على المشاركة في صنع القرار.

كما أن تحديث المجتمع لم يؤد آليا إلى بناء نظام ديمقراطي. فقد ترافقت بعض مظاهر التحديث مع تركيز السلطة السياسية وضعف المساءلة، وهو ما يبين أن التغيير في التعليم أو أنماط العيش لا ينتج وحده مؤسسات تضمن التعددية وتداول السلطة.

وفي عهد بن علي، تداخلت بنية الحكم الداخلية مع علاقات خارجية ارتبطت بالاقتصاد والأمن والهجرة والتعاون الدولي. ولا يمكن تفسير استمرار النظام أو نهايته بهذه العلاقات وحدها، لكنها تمثل جزءا من السياق الذي تحرك فيه، إلى جانب شبكات المصالح الداخلية والتفاوتات الاجتماعية والاحتقان السياسي وقدرة المجتمع على التعبئة.

ثم جاءت ثورة 2011 لتكشف أن التراكم الاجتماعي والثقافي لا يمنع حدوث قطيعة سياسية سريعة. فقد اتسع مجال الحريات، وتغيرت قواعد المنافسة السياسية، ونشأت تجارب ومؤسسات جديدة. لكن سقوط رأس النظام لم يكن كافيا لتفكيك جميع الشروط التي أعادت إنتاجه، كما لم يكن الانتقال الديمقراطي قادرا وحده على حل مشكلات التنمية والتشغيل والعدالة المجالية والثقة في المؤسسات.

وقد تأثر المسار التونسي، مثلما تأثر بفاعليه الداخليين، بتحولات الإقليم وبالبيئة الدولية، وباختلاف أولويات القوى الخارجية بين دعم الانتقال السياسي والاستقرار ومكافحة الإرهاب والهجرة والمصالح الاقتصادية. لكن هذه العوامل لا تعفي الفاعلين المحليين من مسؤولية خياراتهم، ولا تسمح باعتبار ما حدث نتيجة آلية لإرادات خارجية.

أما منذ 25 جويلية 2021، فقد دخلت البلاد طورا جديدا من إعادة ترتيب السلطة والعلاقة بين المؤسسات والمجتمع. وفهم هذا التحول يقتضي النظر في تراكمات المسار السابق، وفي أزمة الثقة والتمثيل والفاعلية الاقتصادية، وفي اختيارات الفاعلين، وفي قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، وكذلك في البيئة الإقليمية والدولية التي تحتل فيها قضايا الأمن والهجرة والاستقرار موقعا مهما.

ولا يصح أن نختزل هذه المرحلة في شخصية الحاكم وحدها، أو في ذهنيات التونسيين، أو في تدخل خارجي. كما لا يصح أن نعمم موقفا سياسيا واحدا على مجتمع تتعدد داخله التصورات والمصالح والتجارب. فالمواقف من الديمقراطية والسلطة والحقوق والاستقرار تتشكل من خلال التجربة المعيشة، ومن تقييم الأداء الاقتصادي والاجتماعي، ومن الثقة في البدائل، ومن الخطابات التي تفسر الأزمة وتقدم لها حلولا مختلفة.

إن ما تكشفه التجربة التونسية، عبر محطاتها المتعاقبة، هو أن التحولات السياسية يمكن أن تكون سريعة، بينما يكون تحول المؤسسات والممارسات والذهنيات أبطأ وأكثر تعقيدا. كما تكشف أن إمكانات التغيير لا تتحدد بالإرادة السياسية وحدها، بل تتأثر بالموارد الاقتصادية، وبطبيعة المؤسسات، وبموازين القوى الاجتماعية، وبالمجال الجيوستراتيجي الذي تتحرك ضمنه الدولة.

حين يستوعب القديم التغيير أو يفتح التغيير طريقا جديدا

يمكن أن نسلك، في فهم هذه المسارات، أكثر من طريق تفسيري.

فقد يستوعب النظام الاجتماعي والمؤسساتي التغيير ويعيد إنتاج نفسه من خلاله. تتبدل القوانين والأسماء والخطابات، بينما تستمر بعض علاقات النفوذ وأنماط الوساطة وتوقعات المواطنين بشأن السلطة. وقد يحدث تحول تدريجي، تتغير فيه الذهنيات بفعل الممارسة الجديدة، بينما تحتفظ عناصر من الماضي بقدرتها على التكيف أو الصمود في وجه التغيير. وقد يصل التغيير إلى مستوى أعمق، حين تصبح الحقوق ممارسة يومية، والمساءلة قاعدة مألوفة، والمشاركة السياسية ذات أثر ملموس، وتتحول العلاقة بالدولة من انتظار الحلول أو الخوف من السلطة إلى القدرة على المطالبة والتفاوض والمحاسبة.

وقد يحدث أيضا تعثر أو ارتداد، حين تتسع الفجوة بين الوعود والنتائج، أو تتراجع الثقة في المؤسسات، أو تغلق قنوات المشاركة، أو تصبح كلفة التغيير أعلى من قدرة المجتمع على تحملها. وقد تسهم الضغوط الخارجية في هذا التعثر، كما قد تسهم فيه خيارات داخلية أو اختلالات مؤسساتية واجتماعية.

ولا تمثل هذه المسارات مراحل حتمية، ولا يمكن ردها إلى عامل واحد. فقد تتقدم بعض القطاعات الاجتماعية في اتجاه، بينما تتراجع قطاعات أخرى، وقد تتغير الثقافة السياسية من دون أن تتغير المؤسسات بالسرعة نفسها. كما قد تعجز الدولة عن تحويل فرصة خارجية إلى مكسب داخلي، أو تنجح في التفاوض بشأن قيد دولي بفضل مؤسسات أكثر فاعلية ومجتمع أكثر قدرة على المشاركة.

وهنا تبرز أهمية توزيع الكلفة والمكاسب. فالانفتاح الاقتصادي أو الثقافي قد يتيح فرصا لفئات معينة، بينما يفرض أعباء على فئات أخرى فتقابله بالرفض أو التمرد. وقد تحقق سياسة ما نتائج إيجابية على مستوى بعض المؤشرات العامة، في حين تزيد هشاشة مناطق أو قطاعات اجتماعية. ولا يمكن تفسير المواقف من التغيير من دون فهم هذه الفوارق، مثلما لا يمكن بناء استقلال وطني فعلي من دون القدرة على معالجة مصادر الهشاشة الداخلية.

نحو فهم أوسع للتغيير الوطني

إن المسألة، في النهاية، ليست المفاضلة بين تاريخ الوقائع وتاريخ الذهنيات، ولا بين التفسير الداخلي والتفسير الخارجي. إنها محاولة لفهم التفاعل بين أربعة مستويات: الوقائع والمؤسسات، والذهنيات والتصورات الاجتماعية، والبنى المادية والمصالح، وموازين القوة الجيوستراتيجية.

فالسياسة قد تسبق المجتمع في بعض التحولات، لكنها لا تستطيع ترسيخها بمجرد إصدار القرارات. والذهنيات قد تعدل مسار التغيير، لكنها ليست قوة غامضة مستقلة عن شروط تشكلها. والدولة قد تناور داخل البيئة الدولية، لكنها لا تتحرك في فضاء متكافئ، ولا تستطيع تحويل كل خياراتها إلى نتائج بمجرد إعلان السيادة. أما الخارج، على الرغم من قدرته على التأثير، فلا ينتج نتائجه بصورة آلية، بل تتوسطه المؤسسات والفاعلون والمصالح والتصورات المحلية.

وبالنسبة إلى تونس، فإن الاستقلالية الوطنية لا تتحدد بسلامة القرار السياسي وحدها، بل أيضا بالقدرة الاقتصادية والإنتاجية والتكنولوجية، وبنوعية المؤسسات، وبمدى التماسك الاجتماعي، وبالقدرة على تنويع العلاقات الخارجية وتحويل الموقع الجغرافي إلى مورد للتفاوض والتعاون بدل أن يكون مصدرا دائما للهشاشة.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى وهم الاكتفاء الذاتي أو إلى تصور أن الدولة تستطيع التخلص من كل أشكال الاعتماد الخارجي. فالتشابك الدولي حقيقة لا يمكن تجاوزها بمجرد الرغبة. لكن هناك فارقا بين الاعتماد الذي يتيح فرصا للتبادل والنمو، والاعتماد الذي يضيّق مجال الاختيار ويجعل المجتمع أكثر تعرضا للصدمات والضغوط. ويتوقف التعامل مع هذا الفارق على نوعية المؤسسات، وعلى تنويع الموارد والعلاقات، وعلى القدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، وعلى إشراك المجتمع في تحديد الأولويات وتحمل كلفة الخيارات.

ولعل السؤال الأعمق الذي ينبغي أن نطرحه على التجربة التونسية ليس فقط: لماذا تتغير السياسة ويبقى المجتمع؟ بل أيضا: ما الشروط التي تجعل التغيير السياسي قابلا للتحول إلى تغيير اجتماعي وثقافي مستدام، في دولة لا تتحكم وحدها في شروط حركتها، ومجتمع تتشكل ذهنياته عبر تفاعل التجربة الوطنية مع عالم أوسع منه؟

عند هذا المستوى، يصبح «الاحتفاظ والتجاوز البنائي» أكثر من وصف لاستمرار بعض عناصر الماضي داخل التغيير. إنه سؤال عن قدرة المجتمع والدولة على إعادة تركيب موروثهما التاريخي، والتمييز بين ما يستحق الاحتفاظ به وما ينبغي تجاوزه، وبين ما تفرضه شروط الواقع وما يمكن تغييره بالمعرفة والتنظيم والسياسة.

فالتحول العميق لا يتحقق بإعلان القطيعة وحده، ولا بالتصالح غير النقدي مع الموروث، ولا بمجرد التكيف مع موازين القوى الخارجية. إنه يتطلب القدرة على فهم التاريخ من دون الخضوع له، والتعامل مع العالم من دون الذوبان في نماذجه، وبناء مؤسسات تجعل الحرية والكرامة والعدالة خبرة يومية لا مجرد شعارات سياسية.

ولعل هذه هي نقطة الالتقاء بين تاريخ الوقائع وتاريخ الذهنيات والجغرافيا الاستراتيجية: أن نفهم التغيير لا بوصفه حدثا منفردا، ولا انعكاسا لثقافة ثابتة، ولا نتيجة حتمية لموازين القوى، بل بوصفه مسارا تاريخيا تتفاعل فيه إرادة الفاعلين مع البنى التي ورثوها، والذهنيات التي تشكلوا داخلها، والموارد التي يمتلكونها، والقيود التي يفرضها عليهم عالم غير متكافئ.