مفترق طرق
في علم السياسة، لا تُقاس قوّة المعارضة بعدد شعاراتها، ولا بحجم هتافاتها في الشارع، بل بقدرتها على هندسة تحالفاتها الاستراتيجية، وقراءة المتغيرات بدقة، وتحويل اختلافاتها إلى قوة منتجة للبدائل. وبين مشهدين يفصل بينهما واحد وعشرون عامًا، تقف المعارضة التونسية أمام مفترق طرق دقيق، يطرح سؤالًا يتجاوز تنظيم الاحتجاجات وتنسيق المبادرات إلى مساءلة عقلها السياسي ذاته: هل يمثّل الانتقال من تجربة 18 أكتوبر 2005 إلى حراك 17 أكتوبر 2026 تطورًا في أشكال الفعل المعارض، أم تراجعًا عن مبدأ الجبهة الوطنية الجامعة، أم قفزة في العراء تُغامر بمستقبل التحالفات الديمقراطية؟
لا تُقاس قوّة المعارضة بعدد شعاراتها، ولا بحجم هتافاتها في الشارع، بل بقدرتها على هندسة تحالفاتها الاستراتيجية
للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي استحضار رمزية التجربة الأولى أو الاكتفاء بتقييم المبادرة الثانية من خلال قائمة المشاركين فيها والغائبين عنها. المطلوب هو تفكيك المشهدين، وفهم التحولات العميقة التي أصابت بنية المعارضة التونسية وعلاقات مكوناتها، ثم اختبار مدى قدرتها على بناء مشترك ديمقراطي يتجاوز الخصومات الأيديولوجية والحسابات الظرفية. ومن هذه الزاوية، تبدو المفارقة الأولية مثيرة للقلق: فالمشهد الراهن يطرح احتمال التراجع عن منطق الجبهة الواسعة، كما يطرح مخاطر بناء مبادرات لا تتضح بعد قدرتها على التحوّل إلى أفق سياسي جامع. لكن هذه الفرضية تظل موضوعًا للتحليل والاختبار، لا حكمًا مسبقًا؛ فالمعيار ليس فقط من اجتمع اليوم ومن غاب، بل طبيعة المشروع الذي يمكن أن يجمع التونسيين غدًا.
18 أكتوبر 2005 .. وحدة المطالب في مواجهة الاستبداد
في 18 أكتوبر 2005، وفي ظلّ نظام بن علي، تشكّلت تجربة سياسية وحقوقية لافتة جمعت إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين وحقوقيين حول مطالب مشتركة، في مقدمتها الحريات العامة، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، ورفض الاستبداد. لم يكن أصحاب تلك التجربة متطابقين في تصوّراتهم للدولة أو المجتمع أو الهوية أو الاقتصاد، ولم يلغِ اجتماعهم خلافاتهم الفكرية والتاريخية. لكنهم أدركوا، في لحظة سياسية محدّدة، أن الاختلاف لا يمنع بناء أرضية مشتركة، وأنّ مقاومة الاستبداد لا تشترط أن يتنازل كل طرف عن هويته، بل أن يتوافق الجميع على قواعد تضمن حقّهم في الاختلاف والمشاركة.
الديمقراطية لا تُبنى بإقصاء الخصوم، بل بالاتفاق على حقّهم في الوجود والمنافسة السّلمية
لم تكن تجربة 18 أكتوبر نموذجًا مكتملًا، ولا انتصارًا نهائيًا على الاستبداد، ولا ينبغي تحويلها إلى أسطورة معارضة معصومة من النّقد. فقد كشفت حدودها أيضًا عن صعوبة الانتقال من وحدة المطالب إلى وحدة التصوّرات والبرامج، ومن التّنسيق النضالي إلى بناء بديل سياسي قادر على الحكم. ومع ذلك، بقيت قيمتها الأساسية في أنّها كسرت، ولو مؤقتًا، منطق العزل المتبادل، وأثبتت أن الديمقراطية لا تُبنى بإقصاء الخصوم، بل بالاتفاق على حقّهم في الوجود والمنافسة السّلمية.
مسيرة 17 أكتوبر 2026 ... مبادرة تحت المجهر
اليوم، ونحن أمام مسيرة 17 أكتوبر 2026، لدعوة من الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية ومكونات من المجتمع المدني، تحت شعار «تونس أولًا.. والشّعب فوق كلّ اعتبار»، نجد أنفسنا أمام مشهد يستحقّ القراءة المتأنية. فالبيان الصادر في 29 سبتمبر يتناول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق والحرّيات، واستقلال القضاء، والحقوق النقابية والمدنية والسّياسية، ويدعو إلى تنسيق التحرّكات والمبادرات النضالية. وهذه مطالب مشروعة وضرورية في بلد تتفاقم فيه الأزمات وتراجع فيه ضمانات الحرية والمشاركة.
لكن المسألة ليست في مشروعية هذه المطالب، ولا في أهمية الدور الذي تضطلع به المنظمات الوطنية والمدنية. المسألة هي ما إذا كان هذا التنسيق قادرًا على التحوّل إلى أفق سياسي أوسع، يربط بين الدفاع عن الحقوق ومشروع الخروج من الأزمة، وبين الاحتجاج على السياسات القائمة وإنتاج بديل ديمقراطي قابل للحياة.
هل نحن أمام تنسيق نقابي وحقوقي محدود بطبيعته، أم أمام نواة مسار سياسي يراد له أن يتحدّث باسم المعارضة والمجتمع؟
مسألة الحدود ... غياب النهضة والخلاص الوطني
ومن الإنصاف، في هذا السياق، ألا ننسب إلى بيان 29 سبتمبر ما لم يقله صراحة. فهو لا يعلن نصًّا استبعاد حركة النهضة أو جبهة الخلاص الوطني، ولا يكفي غياب اسميهما عن قائمة الموقّعين لإثبات وجود قرار رسمي بإقصائهما. لكن عدم التنصيص على الإقصاء لا يعفينا من مساءلة حدود المبادرة، ولا من طرح السؤال السياسي الأهم: هل نحن أمام تنسيق نقابي وحقوقي محدود بطبيعته، أم أمام نواة مسار سياسي يراد له أن يتحدّث باسم المعارضة والمجتمع، من دون أن تتضح بعد قواعد الانفتاح على بقية القوى الديمقراطية؟
إن الفارق بين السؤالين جوهري. فمن حق المنظمات النقابية والحقوقية أن تحدد طبيعة تحركها وأهدافه، وليس مطلوبًا منها أن تتحول إلى جبهة حزبية أو أن تستوعب كل الفاعلين السياسيين داخل مبادرة واحدة. لكن من حق الرأي العام، في المقابل، أن يسأل عن العلاقة بين هذا التحرك وبين الحاجة إلى بناء مسار ديمقراطي أوسع، لا يجعل من التعددية شعارًا في مواجهة السلطة، ثم يعجز عن ممارستها داخل صفوف المعارضين أنفسهم.
لا يجعل من التعددية شعارًا في مواجهة السلطة، ثم يعجز عن ممارستها داخل صفوف المعارضين أنفسهم
المفارقة التاريخية ... من الشارع إلى السجن
وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا حين نستحضر المفارقة التاريخية المؤلمة: عدد من رموز تجربة 18 أكتوبر، الذين ناضلوا يومًا من أجل الحريات وضد الاستبداد، يوجدون اليوم في السّجون أو يواجهون التتبعات القضائية على خلفية معارضتهم منظومة الحكم التي تشكلت بعد 25 جويلية 2021 إن هذه المفارقة لا تعني أن كل من شارك في تجربة الأمس صار ملزمًا اليوم بالاتفاق مع الإسلاميين، ولا أنها تمنح أي حزب حصانة من النقد والمساءلة. لكنها تضع الجميع أمام امتحان مبدئي واضح:
هل ندافع عن الحرية باعتبارها حقًا عامًا، أم باعتبارها امتيازًا لمن يشبهوننا ويتقاسمون معنا المرجعية والذاكرة والموقف؟
ماذا تعني المقارنة بين التاريخين؟
هنا بالضبط تكمن دلالة المقارنة بين التاريخين. ففي 2005، كان التحدّي هو بناء مساحة مشتركة في مواجهة نظام استبدادي لا يعترف بالتعددية السياسية. أما في 2026، فالتحدّي لا يقتصر على مقاومة الاستبداد القائم، بل يشمل أيضًا تفكيك آثار الاستقطاب الذي جعل قطاعات من التونسيين تنظر إلى خصومها السياسيين باعتبارهم خطرًا يجب التخلّص منه، لا مواطنين ينبغي ضمان حقوقهم.
لقد تغيّرت السلطة، وتغيّرت السّياقات، وجرت في النهر مياه كثيرة؛ لكن السؤال القديم عاد في صيغة أشد قسوة:
هل نستطيع أن نتفق على قواعد الديمقراطية قبل أن نتفق على هوية من يحكم؟
الديمقراطية منظومة قواعد لا مكافأة
إنّ الدفاع عن حقّ حركة النهضة في الحرية والعمل السياسي لا يعني الدفاع عن جميع خياراتها السّابقة، ولا إعفاء قياداتها من النّقد، ولا مطالبة الآخرين بتبنّي خطابها. كما أنّ نقد النهضة وتجربتها في الحكم لا يبرّر الصّمت عن انتهاك حقوق أبنائها وقياداتها أو قبول إقصائها من المجال العام. فالدّيمقراطية ليست مكافأة تمنحها الأغلبية لمن ترضى عنه، ولا صك براءة سياسيًا يوزّع على الحلفاء؛ إنها منظومة قواعد تحمي حقّ المختلف في التنظيم والتعبير والمنافسة، وتضمن محاسبة الجميع وفق القانون والمحاكمة العادلة.
الديمقراطية ليست مكافأة تمنحها الأغلبية لمن ترضى عنه، ولا صك براءة سياسيًا يوزّع على الحلفاء
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لأي مبادرة معارضة لا يكمن في عدد المنظمات التي وقّعت بيانها، ولا في حجم الحشود التي يمكن أن تستقطبها مسيرتها وحده، بل في قدرتها على توسيع المجال الديمقراطي، وعلى التّمييز بين الاختلاف المشروع والإقصاء، وبين وحدة الموقف من انتهاكات الحقوق والتّطابق في الرّؤى والبرامج. فالتحالف الديمقراطي لا يشترط اتفاق مكوّناته على كلّ شيء؛ بل يشترط اتفاقها على ألّا يحتكر أي طرف الحقيقة أو الوطن أو حقّ المشاركة.
التحالف الديمقراطي لا يشترط اتفاق مكوّناته على كلّ شيء؛ بل يشترط اتفاقها على ألّا يحتكر أي طرف الحقيقة أو الوطن أو حقّ المشاركة
من وحدة المظالم إلى إنتاج البدائل
وإذا كانت تجربة 18 أكتوبر قد أثبتت أن الخصوم يستطيعون الالتقاء حول الحد الأدنى الديمقراطي، فإن تجربة اليوم مطالبة بتجاوز ذلك الحد الأدنى نحو تصوّر عملي للمستقبل: كيف تُستعاد استقلالية القضاء؟ كيف تُضمن الحريات وتُنهى المحاكمات السياسية؟ كيف تُحمى الحقوق النقابية والمدنية؟ وكيف يتحوّل الغضب الاجتماعي إلى برنامج إصلاح اقتصادي وسياسي، لا إلى مجرّد احتجاج متكرّر يستنزف طاقة المجتمع من دون أن يغيّر موازين الفعل؟
إن تونس لا تحتاج إلى استنساخ 18 أكتوبر، ولا إلى محاكمة 17 أكتوبر قبل أن تتضح مآلاته. إنها تحتاج إلى استخلاص الدرس الأعمق من التجربتين: لا وحدة ديمقراطية من دون اعتراف متبادل، ولا اعتراف متبادل من دون ضمانات، ولا بديل سياسي من دون قدرة على إنتاج برنامج يتجاوز الخصومة مع السلطة إلى الإجابة عن أسئلة الدولة والمجتمع والعدالة والتنمية.
لا وحدة ديمقراطية من دون اعتراف متبادل، ولا اعتراف متبادل من دون ضمانات، ولا بديل سياسي من دون قدرة على إنتاج برنامج
خاتمة ... تغيير القواعد لا تغيير الحُكّام
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق مسيرة 17 أكتوبر ليس فقط: كم شخصًا نزل إلى الشارع؟ ولا فقط: من حضر ومن غاب؟ بل أيضًا: أي أفق سياسي نريد أن نفتحه بعد المسيرة؟ هل نريد تنسيقًا ظرفيًا تتقاطع فيه المطالب ثم تتفرّق المسارات، أم نريد تأسيس ثقافة ديمقراطية تجعل الخلاف قابلًا للإدارة، والتعدّدية قاعدة لا منّة، والحرّية حقًا لا امتيازًا؟
التعدّدية قاعدة لا منّة، والحرّية حقًا لا امتيازًا
قد تكون مسيرة 17 أكتوبر خطوة ضرورية في اتجاه استعادة الفعل المدني والحقوقي، لكن قيمتها النهائية ستتوقف على ما إذا كانت ستفتح الأبواب أمام حوار أوسع، أم ستظل محكومة بحدود اللحظة ومخاوفها. أما الحكم عليها بأنّها خطوة إلى الوراء أو قفزة في العراء، فينبغي أن يظلّ حكمًا مشروطًا بما ستنتجه من مواقف ومبادرات، لا بمجرد التأويلات المسبقة.
لقد علّمتنا تجربة 18 أكتوبر أنّ الاختلاف لا يمنع الشراكة، وعلّمتنا السنوات التالية أن الشراكة التي لا تتجاوز الشعارات ولا تبني قواعد مؤسّسية تظل هشّة وقابلة للانهيار. واليوم، لا يكفي أن نستعيد ذكرى الوحدة القديمة، ولا أن نحتفل بتعدّد المبادرات الجديدة. ما نحتاج إليه هو الانتقال من وحدة المظالم إلى شراكة القادرين على إنتاج البدائل، ومن مقاومة الإقصاء إلى تأسيس قواعد تمنعه، أيًّا كان مصدره.
إنّ السؤال الحاسم لم يعد: من يجلس في السّلطة ومن يقف في المعارضة؟ بل: هل نريد فقط تغيير من يحكم تونس، أم نريد تغيير القواعد التي تجعل الحكم حقًا مشتركًا للتونسيين جميعًا؟