أكتب هذه الكلمات على مسافة يوم من اقتراع الانتخابات البرلمانية المغربية لا لأتكهن بالنتيجة، وإنما لأقدم ملاحظات تتجاوز العملية الانتخابية ذاتها ونتائجها.
عندما أعيد انتخاب عبدالإله بن كيران أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، كتبت تعليقا كان عنوانه: بن كيران يعود بلا جديد ...
صحيح أن بن كيران قد عاد بلا جديد، فبن كيران هو بن كيران برؤيته السياسية وبأسلوب إدارته، وبمنهجه ومنطقه الخاص في العمل السياسي.
استلم بن كيران الحزب وجراحاته تنزف على وقع نتائج أسقطت الحزب من 125 نائبا برلمانيا إلى 13 نائبا، كما استلمه بعد نزيف داخلي كبير أفقد الحزب ثلة من قياداته ومنهم مؤسسون كبار، وحدث في الحزب شرخ لم يكن هينا، وتوقع غالبية المتابعين موتا سريريا لحزب ملأ دنيا المغرب وشغل حياة ساكنته حبا وكرها.
وماذا سيفعل بن كيران الذي سبق وان أرغمه "المخزن والتحكم" على الخروج من الحكم بعد فوز استثنائي في الحياة السياسية المغربية؟
وماذا سيفعل حزب دخلته "سوسة" الصراعات الداخلية؟
وماذا سيفعل حزب تاهت فيه قواعده، وسيطر على اجنحة منها حال التشاؤم والتلاوم والتنابز؟
وماذا سيقدم للمغاربة كحزب ذو مرجعية إسلامية في وقت تشن فيه حرب عابرة للقارات عل هذه الأحزاب، وتتجند لذلك قوى متنوعة وأساليب متعددة ومتشابكة واموال تعد بالمليارات؟
لا تحارب هذه الأحزاب بأجهزة الأمن فقط، وإنما بأعتى آلات الاعلام والفكر والثقافة، ويتجند لذلك الجميع، وكل يأتي "الفريسة" من جانب لنهشها.
ولم يبخل بعض أبناء المرجعية بالمساهمة بمعول الهدم "نصحا" و"شفقة"و" تحميلا لها وزر ما أنتجته الحلول المستوردة من التغريب القسري بدعوى التحديث والحداثة لإستمرار مشروع الاستعمار الذي يطلق عليه الاستعمار غير المباشر فقط لأن المباشرين له ليسوا أصحاب العيون الزرقاء والشعر الأصفر.
في أتون هذا المناخ الأسود الداكن، انطلق بن كيران ومن معه يرممون حزبهم ويعيدون له روحه، وربما كان كثير من رفاقه، ناهيك عن غيرهم، يتهامسون: ماذا يفعل هذا الاحمق؟ اما كان أولى له ان يحل هذا الحزب، ويقفل هذا الباب، الذي لم يتردد بعضهم ان يقول، انه سبب تخلفنا، وسبب البلاء الذي لا زال جاثما على رؤوسنا، ولولاه لكان قطار الحداثة الفرط صوتي يشق المغرب في ثبات من سبتة الى الڨويرة؟
لا أنكر دور بن كيران كزعيم سياسي له رؤية شبه خاصة، وله أسلوب تواصلي قد لا يكون شهد المغرب له مثيلا، وله جرأة فريدة أيضا تجعله يتحرك في حقل الغام دقيق بحيث يستطيع ان يواجه خصومه، ودون ان يواجه النظام الملكي الذي يجعله خطا أحمر، وفق رؤية سياسية مؤسسة لديه على أسس شرعية وتاريخية.
كيف تستطيع ان تفرق بين الملك والمخزن، وبين المخزن والتحكم؟ ذلك هو ما انفرد به بن كيران تقريبا في الحياة السياسية المغربية. فأن تهاجم مستشار الملك، وان تهاجم زعامات "أحزاب الإدارة (المخزن)" وان "تسلخ جلودهم بالإبرة"، وأن تهاجم حكومة صاحب الجلالة، هذا ما لم يجرؤ عليه غير بن كيران.
لكن ما تابعناه من خلال الحملة الانتخابية، من شعبية جارفة، ومن حضور لا يضاهيه حضور أي حزب آخر، يرجع في تقديري إلى ما هو أبعد من شخص بن كيران وفريقه، إنه يرجع بالأساس إلى المرجعية التي يستند إليها هذا الحزب. هذه الشعوب لا تطمئن إلا لمن يخاطبها من مرجعيتها، ولا تساند إلا من يخاطبها من خلال فضائها القيمي.
ورغم انها خضعت مرغمة لحملات "التحديث القسري"، إلا أنها لم تطب لها نفسها، وتحملتها راغمة، وتحايلت عليها لدينها ولدنياها، ولكنها في اول منعطف، وفي أول فرصة سانحة، وفي أول مبادرة مقاومة تنتجها، تعود لأصلها، وتدعم خيارها، وتعطي من يتقدم لذلك صفقة يدها، ولن تختار عليه غيرها.
الموضوع أبعد من قشرة السياسة، وأعمق من تلاعبات الإعلام، وأصلب من تهافتات نخب الثقافة، وما الحركة الاسلامية إلا استجابة المجتمع لتحدي العلمنة المزيفة، والحداثة المستوردة، إنها "منتوج" المجتمع المسلم، أو لنقل انها المنتوج الأقرب لمزاجه.
وإنني من منظور سوسيولوحي، أرى أن ما طرحته تلك الحركات على نفسها في مراحلها المختلفة من أجندات وأولويات، إنما كانت في الغالب أجندات المجتمع واولوياته، وأن تحولاتها كانت في غالبها تحولات منطقية مرتبطة بالتحولات الاجتماعية، وأن إعاقاتها إنما هي إعاقات اجتماعية يحددها الفضاء الابستيمي (الإطار الثقافي والقيمي والنفسي العام).
كما ان جزءا من المعاناة والصدامات والمحن الشداد، إنما تفرضها ميكانيزمات التغيير الاجتماعي والحضاري، فليس التغيير مجرد قناعات عقلية وإنما تحويل تلك القناعات إلى عقائد تملك العقول والقلوب، ولا يحصل ذلك إلا بالنصب الشديد للمجتمع كما للأفراد: "وإذا فرغت فانصب".
ليس في ما كتبته استسلاما لقدرية اجتماعية، ولا دعوة للتسبيح بحمد الحركات الاسلامية في تمظهراتها المختلفة، ولا تغافلا عما يجب على الحركة الاسلامية القيام به من النقد الذاتي والتجديد، وقد كُتب ويُكتب كل يوم في هذا المضمار، ولا حتى العكوف على وسائل معينة في التغيير الاجتماعي، فليس كل ذلك إلا وسائل عمل لا تملك قيمتها في ذاتها وإنما في قدرتها على تأدية رسالتها، فليس فيها مقدسات لا تمس، وأفكار لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. المهم هو "عجب الذنب" وهو ان الحركات الاسلامية إنما هي في جوهرها استجابة مجتمع مسلم للتحديات التي واجهته وتواجهه، وسيظل حظها من الحياة في قدرتها على الإلتزام بالمسار الذي حدده لها مجتمعها، ذلك أن علاقتها بالاسلام الذي ترفع لواءه تمر من خلاله.
غدا سيقترع المغاربة وفق نظام انتخابي لا يسمح مطلقا لحزب بن كيران بالحصول على الاغلبية، بل اكاد أقول ولا حتى المرتبة الاولى، ذلك انه سُن خصيصا ليمنع حصول ذلك، وربما قد تفاجؤنا قوى التحكم بجرأة لا تبتعد عن جرأتها المرة الماضية، فتسرق فوز العدالة والتنمية أو بعض مقاعده، لكن ذلك لن يغير من الحقيقة التي اشرت إليها، وهي ان شعوبنا لن ترضى إلا على من يستندون إلى مرجعيتها، وانها لن تتخلى عنهم ما توخوا الحكمة في إدارة الصراع، وسعوا إلى ذلك بحذر لا يمس من نعمة الأمن والعيش.
العدالة والتنمية المغربي يعطي الجواب
غدا سيقترغ المغاربة وفق نظام انتخابي لا يسمح مطلقا لحزب بن كيران بالحصول على الاغلبية بل اكاد أقول ولا حتى المرتبة الاولى ذلك انه سن خصيصا ليمنع حصول ذلك، وربما قد تفاجؤنا قوى التحكم بجراة لا تبتعد عن جرأتها المرة الماضية فتسرق فوز العدالة والتنمية أو بعض مقاعده، لكن ذلك لن يغير من الحقيقة التي اشرت إليها وهي ان شعوبنا لن ترضى إلا على من يستندون إلى مرجعيتها وانها لن تتخلى عنه ما توخوا الحكمة في إدارة الصراع وسعوا إلى ذلك بحذر لا يمس من نعمة الأمن والعيش.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.