نقلت تعليقا على اختيار البروتوكول الإيراني للآيات التي يقع تلاوتها عند إلقاء وفود الدول التحية على جثمان خامنئي. حيث كان البروتوكول قد اختار لكل دولة آيات مخصوصة، وهي تعكس رسالة معينة انتبه إليها كل متابع. وطبعا برتوكولبا لا يمكن ان يكون ذلك اعتباطا ولا خطأ، إذ لا مجال للخطإ في ذلك المستوى من البروتوكول.
علق أحد الأصدقاء على ذلك بما معناه: أنت في حضرة دولة لا تؤمن بالخنوع والاستجداء كما يفعل التونسيون ويقصد النهضة. وختم تعليقه بالمصري: "إفهمها بڨه".
الحقيقة لقد كشف لي التعليق إلى أي درجة نعاني من خلل في الموازين، وإلى أي درجة مثل هذا الخلل يقف وراءه عقل يحتاج إلى ثورة، وإلى أي حد يمثل هذا العقل خطرا على الثورة وعلى مفهوم التغيير الإصلاحي ... التغيير الذي يبني ولا يهدم ...
يعني كي تكون قويا عليك ان تهين ضيوفك الذين جاؤوا لتعزيتك مجاملة لك؟؟؟!!!!
وكي تظهر قوتك عليك ان لا تفلت فرصة زيارة خصمك إلى بيتك التي تمت بدعوتك العامة إن لم تكن الخاصة.
أين القوة هنا؟؟؟؟!!!!
لا شك ان الحادثة جزئية، وعادة في مجال البروتوكولات بين الدول لا يتركونها تمر، حيث يردون عليها إما باحتجاج بطريقة بروتوكولية، أو بالرد عليها بمثلها في الوقت المناسب، وأحيانا يكون الرد أقسى (أقوى) بغض الطرف وهي رسالة لصاحب "العملة" بأنهم أكبر من تصرفه "الصبياني" ....
لكن ما اثار انتباهي هذه العقلية الكامنة في تعليق الصديق وخاصة في إسقاطها على الحالة التونسية.
هناك صراع شديد في تونس تبدو في قمته العقلية الإقصائية والاستئصالية، و في حين يشتكي الاسلاميون وأنا منهم من جرائم الاستئصاليين والإقصائيين، يبدو إحيانا في سلوك بعض الاسلاميين وفي عقلياتهم أن ما يمنعهم من عدم ارتكاب الاقصاء والاستئصال هو فقط عدم القدرة على تنفيذه، وهو ما يجعل كثيرين يتوجسون من الاسلاميين بنفس القدر الذي يتوجس فيه الاسلاميون من خصومهم الاقصائيين. هؤلاء أيضا تونسيون ويحملون كل ما في التونسي من ذكاء وفهم وبإمكانهم أن يعرفوا المسكوت عنه في الخطاب، ولحن الخطاب، والمضمر في الخطاب، فضلا عن الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث والسيرة النبوية في غير مواضعها.
كتبت مرة أننا جيل القطيعة والحسم الثوري والعنف الثوري، وهذا هو الذي تربينا عليه، وان الطريق إلى التغيير الحقيقي وهو تغيير العقليات لا زال طويلا. لا زلنا نعتبر ان ممارسة الاعتداء على الآخرين مشروع بما أنك تعتبر نفسك على حق وغيرك على ضلال ... لا يهم إن كان ذلك ضلالا دينيا أم سياسيا ... وكل اعتداء يمكن ان تجد له تبريرا .... فهو مبرر إما في ذاته من خلال جعله رد فعل وليس فعلا ابتدائيا وباب التأويل للاحداث والوقائع ليس له حد، أو باعتباره طريقا ضروريا استثنائيا لحين الوصول إلى المرحلة التي تقدر أنك قد بسطت فيها سلطتك لتقيم بذلك العدل والقسط وتشيع الحرية بين الناس ... وهيهات ان تصل .... فقد بقيت حكومات ما بعد الاستقلال عقودا وهي تؤجل بسط الحرية بتبرير أن الواقع والشعوب لم ينضجوا، وكذلك فعلت الحكومات الثورية التي حكمت العالم بما فيه عالمنا العربي ومنها حكومات حكمت باسم الإسلام وإيران واحدة منها حيث لا يجادل أحد في ان كانت مسرحا للاعتداء الصارخ على حقوق الانسان داخلها فضلا عن مشاركتها في جرائم الإبادة خارجها.
هذا الذي أكتبه ليس للمناكفات السياسية ولا للجدل الافتراضي وإنما للتأمل الهادئ العميق من أجل تغيير ما بالأنفس وهو الطريق الآمن لمجتمع العدل والحق والحرية ....