نوهت كما كثيرين بالمراجعات التي أقدمت عليها الدكتورة رجاء بن سلامة منذ مدة. وقد بدا لي فيها صدقا ظاهرا وإن اضطرت أحيانا تحت ردود الأفعال المتشنجة من اللدودين أن تبدي بعض التنسيب لكلامها رغبة في الحصول على الجل إن تعذر الكل وتقديرا لحدة التقاطب الذي يحتاج وقتا للتخفيف من حدته.
ما يثر التقدير والاحترام هو أن مراجعاتها كانت تتقدم دون أن تتراجع. ولعل تدوينتها اليوم على حسابها في الفيسبوك بعنوان: "كتابة تاريخ الأكاذيب الكبرى التي هيمنت على تونس بعد 2011"، تأتي في هذا السياق.
وقد عددت من الأكاذيب الكبرى موضوع التعويضات، والهبة الصينية لتونس في عهد رفيق عبد السلام، واتهام النهضة باغتيال بلعيد والبراهمي، وشيطنة هيئة الحقيقة والكرامة واتهام رئيستها باختلاس المال العام.
نعم، تلك كانت أكاذيب كبرى وليس الأكاذيب الكبرى ... ستظهر الأكاذيب الأخرى تباعا، فالحق قديم لا يخفيه التضليل وإن التبس على الناس زمنا.
ويهمني وفي إطار التفاعل مع تدوينة الدكتور رجاء بن سلامة، أن أكشف عن كذبة كبرى متفرعة عن كذبة التعويضات، جرى فيها التشويه المتعمد لكلمة المناضل الكبير عبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة النهضة، في اعتصام المطالبين بتفعيل صندوق الكرامة أمام القصبة.
عبد الكريم الهاروني مناضل كبير وعلى قدر عال من المسؤولية، ولا يمكن أن يلقي كلماته جزافا، ولا يمكن أن يصدر عنه أي مطلب على حساب الشعب من أجل مصالح ضيقة لبعض أعضاء حركته أو غيرهم مهما كانت طلباتهم مشروعة.
لم يذكر كلمة "التعويضات" في كلمته ولو عرضا، لأن هذه الكلمة لا وجود لها في الخطاب السياسي والقانوني والحقوقي لحركة النهضة ولا للدولة التونسية ولا لهيئة الحقيقة والكرامة.
الإطار الذي تحدث عنه عبد الكريم الهاروني هو تفعيل صندوق الكرامة، باعتباره استحقاقا قانونيا، وقانون هيئة الحقيقة والكرامة يوضحه بشكل جلي، ولطالما وضحه كل المعنيين بالموضوع، ولكن من دون جدوى، لأن جنود الإفتراء والكذب "جحدوا" به وإن كانت أنفسهم مستيقنة منه.
صندوق الكرامة ليس إلا صندوق جبر الضرر لآلاف المناضلين من كل الأطياف السياسية. يلزم القانون الدولة التونسية بفتح حساب في خزينة الدولة التونسية بمبلغ رمزي لا غير، على أساس أن تتم تعبئته من خلال المساعدات والهبات من الهيئات والدول ولا يحمل الدولة التونسية أي مليم زيادة على ذلك.
ورغم أن القانون واضح وجلي في ما يحمله على الدولة التونسية من التزاماته، ورغم أن ميزانية سنة 2021 قد تضمنت رصد المبلغ المطلوب منها افتتاح الصندوق، إلا أن ما حصل في الواقع هو المماطلة في فتحه.
وليس وراء ذلك إلا تلك الحملة الظالمة التي تشنها جهات كانت تحقد على هيئة الحقيقة والكرامة وعلى النهضة وعلى كل ما جاءت به الثورة.
اشتغلت ألة إعلام العار وزبانيتها من أشباه الكرونيكارات، وصفحات التشويه والتضليل، وفي إطار توفير شروط الانقلاب، اشتغل كل أولائك من أجل إلصاق فرية مطالبة عبد الكريم الهاروني بالتعويضات وهو منها براء كبراءة الذئب من دم يوسف.
هي كذبة من الأكاذيب الكبرى لا يوجد أي دليل عليها إلا للمصابين بعمى الألوان.
وأنا أتفهم أن يكون كثيرون ضحية حملات الأكاذيب ...
كثيرون ممن سمعتهم يلومون عبد الكريم على ما قام به لأن الآحرين شوهوا كلامه ... لكن هؤلاء الآخرين جاهزين دائما للتشويه حتى ولو أخرج لهم عبد الكريم يده بيضاء من غير سوء.
كان عبد الكريم يرى يوميا أمامه المناضلين من كل الإتجاهات بتخطفهم الموت من الأمراض والفقر المدقع، ويرى الدولة التونسية (في الحقيقة ليست الدولة وإنما من يستعملون أجهزتها وصلاحياتها) تتقاعس عمدا عن القيام بما هي مطالبة به قانونيا وبما لا يكلفها أي التزامات تذكر.
عندما كان عبد الكريم يتكلم بوضوح وحزم، فإنه كان يخاطب أولائك الذي تعودوا أن يتصرفوا من وراء ستار، اولائك الذين كانوا ضد العدالة الانتقالية، وضد رد الاعتبار لأبناء تونس من كل الاتجاهات السياسية، أولائك الذين كانوا ولا زالوا لحد الآن ضد الحقيقة وضد الكرامة.
أحيي من جديد الدكتورة رجاء بن سلامة التي كما أشارت هي بحق، أننا كإسلاميين نختلف معها وهي تخنلف معنا، ولكن للوطن أرض واحدة نفترشها، وسماء واحدة تظلنا، وفيه كما خلقه الله متسع للجميع.