لم يعد من الدقة وصف ما يجري في الخليج بأنه أزمة تتجه نحو الانفجار، ولا حتى حرب تنتظر لحظة الحسم. ما يتكشف تدريجياً هو شيء مختلف: صراعٌ يُدار ليبقى دون حسم، وتوترٌ يُحافظ عليه ليؤدي وظيفة. لقد دخلنا مرحلة يمكن تسميتها بـ“تطبيع الفوضى”، حيث يتحول اللااستقرار من حالة طارئة إلى أداة استراتيجية تُستخدم وتُضبط ويعاد إنتاجها.

في الأيام الأخيرة، لم يحمل المشهد اختراقات كبرى، لكنه كشف ما هو أهم: الاستقرار النسبي داخل اللااستقرار. هجمات محدودة لا تتوقف، ملاحة لا تنهار بالكامل، أسعار طاقة مرتفعة لكنها قابلة للاحتواء، وتهديدات متبادلة دون انزلاق إلى مواجهة شاملة. هذه ليست مفارقة عابرة، بل هي ملامح نظام صراع جديد.

في هذا النظام، لا تسعى الأطراف إلى كسر التوازن، بل إلى إدارته. لا تُستخدم القوة لتحقيق نصر نهائي، بل لضبط إيقاع التوتر. الولايات المتحدة لا تبدو في وارد خوض حرب واسعة الكلفة وغير مضمونة النتائج، وإيران تدرك أن الإغلاق الكامل للمضيق قد يرتد عليها قبل غيرها. بين هذين الحدين، تتشكل منطقة رمادية واسعة، هي المجال الحقيقي للصراع.

هذه المنطقة الرمادية ليست فراغاً، بل فضاءً نشطاً تتقاطع فيه أدوات متعددة: ضربات محسوبة، ضغوط اقتصادية، رسائل ردع، واختبارات متكررة للحدود. كل طرف يدفع بالتصعيد إلى حافة معينة، ثم يتراجع قليلاً، ليس خوفاً من الحرب، بل حفاظاً على استمرار اللعبة. وهنا تكمن المفارقة: الاستقرار لم يعد يعني غياب التوتر، بل القدرة على إبقائه تحت السيطرة.

في هذا السياق، يكتسب مفهوم “حرب الإنهاك الذكية” معنى أكثر عمقاً. إنها ليست حرباً تُخاض لتحقيق نصر، بل لإجبار الخصم على العيش داخل كلفة مستمرة. الاقتصاد يصبح ساحة مركزية: أسعار طاقة متقلبة، سلاسل إمداد مضطربة، ضغوط تضخمية. لكن الأهم أن هذه الكلفة لم تعد تُستخدم لفرض انهيار سريع، بل لخلق بيئة ضغط طويل الأمد، يتآكل فيها الخصم تدريجياً.

غير أن التحول الأبرز لا يتعلق فقط بإدارة الصراع، بل بإعادة تعريف ما يُعدّ “طبيعياً”. ما كان يُنظر إليه قبل سنوات كتصعيد خطير- هجوم على سفينة، تعطيل جزئي لممر حيوي، تهديد مباشر بإغلاق المضائق - أصبح اليوم جزءاً من المشهد اليومي. العالم لا يتجه نحو الانفجار، بل نحو التكيّف. وهذه هي النقطة الأخطر: حين يتكيّف النظام الدولي مع مستوى عالٍ من المخاطر، فإنه يفتح الباب أمام استدامتها.

هذا التكيّف لا يحدث فقط على مستوى الدول، بل على مستوى الأسواق والمؤسسات. شركات الشحن تعيد حساباتها، أسواق الطاقة تُسعّر المخاطر، الدول تبحث عن بدائل تدريجية. لكن هذا التكيف، رغم ما يمنحه من مرونة، يحمل في داخله اعترافاً ضمنياً بأن الممرات الحيوية لم تعد محايدة، وأن الاستقرار لم يعد مضموناً.

في هذه اللحظة، يعود سؤال الجغرافيا بقوة. لكن ليس بوصفها قدراً ثابتاً، بل كأداة قابلة للتوظيف. مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر، بل أصبح “منصة استراتيجية” تُستخدم للضغط والتفاوض وإعادة رسم الحدود غير المرئية للنفوذ. وإذا كان هذا النموذج يترسخ، فإنه لا يظل محصوراً في الخليج. سرعان ما يتحول إلى سابقة قابلة للتكرار في نقاط أخرى من العالم، حيث تتقاطع التجارة بالطاقة وبالسياسة.

وهنا يتجاوز الصراع أطرافه المباشرة. القوى الكبرى تراقب، تتكيّف، وأحياناً تستفيد. كل اضطراب في سوق الطاقة يعيد توزيع الأرباح والخسائر، كل تهديد للملاحة يدفع نحو التفكير في ممرات بديلة، وكل حالة عدم يقين تسرّع التحول نحو نظام عالمي أقل انفتاحاً وأكثر تسييساً.

ومع ذلك، فإن “تطبيع الفوضى” ليس استقراراً حقيقياً، بل استقرار هشّ بطبيعته. لأنه قائم على إدارة مستمرة للتوتر، لا على حله. وكلما طال أمد هذه الحالة، ازدادت احتمالات الانزلاق غير المقصود. حادثة صغيرة، أوخطأ في التقدير، أو قرار ميداني غير محسوب، قد يكون كافياً لكسر التوازن الدقيق.

في المحصلة، ما نشهده اليوم ليس مجرد فصل جديد في صراع قديم، بل اختبار لنموذج جديد من إدارة الصراعات الدولية. نموذج لا يُبنى على الحسم، بل على الإبقاء على الصراع ضمن حدود قابلة للتحكم. عالم تُدار فيه الفوضى بدل أن تُزال، ويُستخدم فيه اللااستقرار كأداة استراتيجية، لا كحالة استثنائية.

السؤال لم يعد: متى تنتهي هذه الأزمة؟ بل: إلى أي حد يمكن لهذا النمط من الصراع أن يستمر دون أن ينفلت؟ وبين هذين السؤالين، يتشكل مستقبل نظام دولي يتعلم، ربما للمرة الأولى، كيف يعيش مع الفوضى… لا كيف يتجاوزها.

تاريخ أول نشر 2026/5/7