عندما صرّح سامي الطاهري، الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل والمسؤول عن الإعلام والنشر، بوجود خطة لاختراق الاتحاد من طرف حركة النهضة، استوقفني التصريح لا بصفتي نقابيا سابقا فحسب، بل أيضا بصفتي صحفيا متابعا لشؤون المنظمة وتحولاتها. فاختراق الاتحاد ليس ظاهرة طارئة اكتُشفت اليوم، والتوظيف السياسي له ليس حكرا على تيار بعينه؛ بل هما قضيتان تستدعيان قراءة تاريخية نقدية، تبدأ من محاولات السلطة إخضاع المنظمة، ولا تنتهي عند صراعات النفوذ الإيديولوجي داخل هياكلها، وصولا إلى موقف قيادتها من انقلاب 25 جويلية وما تلاه من تحولات مست جوهر التجربة الديمقراطية والحريات.

 يا سي سامي، إن كان بيتك من زجاج فلا تقذف بيوت الناس بالحجر. قبل التحذير من اختراق النهضة، أليس من الأجدر أن نفتح ملف الاختراقات القديمة، وأن نسأل كيف تحولت منظمة العمال، في محطات من تاريخها، إلى ساحة نفوذ لتيارات سياسية عجز بعضها عن تحقيق التأثير نفسه خارجها؟

من احتواء السلطة إلى توظيف الإيديولوجيا

لم يكن الاتحاد العام التونسي للشغل يوما منظمة معزولة عن السياسة. فمنذ الاستقلال، حاول نظام بورقيبة إخضاعه لمنطق الحزب والدولة، وكانت أحداث 26 جانفي 1978 الدامية تعبيرا عن بلوغ الصراع بين السلطة والمنظمة مرحلة المواجهة المفتوحة. وفي عهد بن علي، استمرت محاولات الاحتواء والتدجين، وتداخل الضغط السلطوي مع صراعات داخلية على القرار والنفوذ، فيما ظلت قطاعات وجهات نقابية فضاءات للمقاومة والاعتراض. لكن سقوط الاستبداد لم ينه التوظيف السياسي للاتحاد؛ بل غيّر شروطه وأدواته.

 بعد الثورة، لم تعد السلطة وحدها الطرف الذي ينازع المنظمة استقلاليتها. فقد برزت أيضا حسابات الأحزاب والتيارات الإيديولوجية، ووجدت بعض القوى اليسارية والقومية في الاتحاد مجالا للتأثير في الصراع السياسي الوطني، مستفيدة من ثقله الاجتماعي ومن قدرته على الحشد والضغط. وهنا ينبغي التمييز بين حق النقابي في الانتماء السياسي، وهو حق لا جدال فيه، وبين تحويل المنظمة إلى ذراع سياسية لحزب أو تيار. فليس من حق أحد أن يحتكر الاتحاد باسم اليسار أو القومية أو الإسلام، وليس من المقبول أن تصبح قوته النقابية بديلا عن ضعف التأثير الحزبي في المجتمع.

 المكتب التنفيذي: لمن الغلبة الإيديولوجية؟

إن تركيبة المكاتب التنفيذية المتعاقبة تستحق قراءة سياسية وتاريخية تتجاوز المجاملات التنظيمية. وقد تناولت قراءات صحفية تركيبة القيادة النقابية، مشيرة إلى ثقل التيارات اليسارية داخل المكتب التنفيذي، بالتوازي مع حضور المدرسة العاشورية في الأمانة العامة.

أما القائمة التي أوردتها في ردي على سامي الطاهري، والتي تتضمن تصنيفا سياسيا وإيديولوجيا لأعضاء المكتب التنفيذي، فهي تطرح سؤالا جوهريا بشأن التوازنات التي حكمت القيادة النقابية، ومدى انعكاسها على خيارات المنظمة ومواقفها السياسية. وتظل بعض التصنيفات الفردية بحاجة إلى توثيق مستقل، لكن ذلك لا يسقط مشروعية مساءلة النفوذ الإيديولوجي داخل الهياكل.

 فحين تضم القيادة نقابيين ذوي خلفيات يسارية وقومية وعاشورية مختلفة، لا تكون المشكلة في هذا التنوع ذاته، بل في احتمال تحوله إلى اصطفاف منظم يوجه القرار النقابي ويقصي المخالفين، أو يجعل من المنظمة فضاء لتعويض العجز الحزبي.

والسؤال الذي أوجهه إلى الطاهري واضح: إذا كان مجرد وجود خطة مفترضة لاستقطاب نقابيين من النهضة يستوجب التحذير، فلماذا لا نخضع النفوذ التاريخي لبقية التيارات للمساءلة نفسها؟ وهل استقلالية الاتحاد مبدأ ثابت، أم أنها تتحول إلى قضية طارئة كلما تعلق الأمر بخصم إيديولوجي؟

الوطد: حين يتجاوز الصراع الحزبي حدود المنظمة

يستحق حضور تيار الوطنيين الديمقراطيين، المعروف بالوطد، قراءة خاصة في هذا السياق. فهذا التيار، المنتمي إلى اليسار الماركسي اللينيني، راكم تاريخا من الصراع الإيديولوجي مع الإسلاميين، وكان جزءا من المشهد اليساري الذي خاض مواجهات سياسية وفكرية حادة مع حركة النهضة.

ولا أريد هنا تحويل الانتماء إلى الوطد إلى تهمة، ولا إنكار حق مناضليه في النشاط النقابي والسياسي. إنما يتعلق الأمر بالسؤال عن الحدود الفاصلة بين العمل النقابي والانخراط الحزبي؟ وإستعمال وسائل وأدوات وأموال المنظمة في أنشطته الحزبية ؟! وعن مدى تأثير الصراعات الإيديولوجية في توجيه قرارات المنظمة ؟!

فحين يصبح الخصم الإسلامي موضع اشتباه دائم ، بينما لا يخضع النفوذ اليساري للمساءلة نفسها، نكون أمام ازدواجية في تعريف الاستقلالية. وحين تتداخل المواقع النقابية مع الحسابات الحزبية، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المنظمة تدافع عن مصالح الشغالين، أم أن بعض مكوناتها توظفها في معارك تتجاوز أولوياتهم الاجتماعية.

إن الاتحاد ليس ملكا للوطد، ولا لحركة الشعب، ولا للنهضة، ولا لأي تيار آخر. وهو ليس منصة لتعويض العجز عن إقناع الناخبين أو بناء قوة حزبية مستقلة. قوته مستمدة من عماله وموظفيه ومن شرعية الدفاع عن حقوقهم، لا من قدرته على ترجيح كفة هذا الحزب أو ذاك.

 25 جويلية: حين أصبح الانقلاب فرصة لتصحيح المسار

لكن الاختبار الأهم لاستقلالية الاتحاد لم يكن في تركيبة مكتبه التنفيذي وحدها، بل في موقف قيادته من الإنقلاب الذي أصبح في توصيفه بالتحول السياسي الذي عرفته البلاد في 25 جويلية 2021.

 لقد اختارت قيادة الاتحاد، في البداية، التعامل مع قرارات قيس سعيّد باعتبارها فرصة لتصحيح المسار وإنقاذ البلاد من أزمة سياسية خانقة. ولم يكن ذلك استنتاجا من خصوم المنظمة، بل موقفا معلنا في بياناتها الرسمية.

 ففي بيان 24 سبتمبر 2021، اعتبر المكتب التنفيذي الوطني ما حدث فرصة للقطع مع عشرية غلب عليها الفشل والتعثر، لكنه حذر في الوقت نفسه من اتخاذ فشل تلك المرحلة ذريعة للمقايضة بين الحرية واحتكار السلطة.

ثم جاء بيان المكتب التنفيذي الموسع في 29 أكتوبر ليجدد دعم التغيير الحاصل في 25 جويلية، مع المطالبة بتوضيح مسار التصحيح وإنهاء المرحلة الاستثنائية.

 أما بيان الذكرى السادسة والسبعين لتأسيس الاتحاد، الصادر في 20 جانفي 2022، فقد ذهب أبعد من مجرد تسجيل موقف؛ إذ وصف القرارات الرئاسية بأنها فرصة تاريخية ينبغي تحويلها إلى مسار تشاركي قادر على إنقاذ تونس.

 هذه الوثائق الرسمية تضعنا أمام مفارقة سياسية تستحق النقاش: كيف أمكن لمنظمة عريقة في مقاومة الاستبداد أن تمنح إجراءات استثنائية، جمعت السلطات بيد رئيس الجمهورية، فرصة تحت عنوان تصحيح المسار؟ وهل كانت القيادة تملك تقديرا دقيقا لمخاطر تركيز السلطة، أم راهنت على إمكان توجيه المسار نحو إصلاح ديمقراطي تشاركي؟

لقد ثبت أن التعويل على الوعود وحدها لا يحمي الديمقراطية، وأن نقد فشل الأحزاب والبرلمان لا يبرر تعطيل المؤسسات أو إضعاف التعددية. وكان على الاتحاد، بما يملكه من وزن اجتماعي وطني، أن يجعل الدفاع عن الديمقراطية مبدأ غير قابل للمقايضة، لا موقفا يتأثر بطبيعة الخصم السياسي أو بمدى الانسجام معه.

 لا يعني هذا تحميل الاتحاد وحده مسؤولية الانقلاب أو فشل التجربة الديمقراطية. فالمسؤولية موزعة بين السلطة والأحزاب والمؤسسات والفاعلين الذين أخفقوا في حماية المسار. لكنه يعني أن المنظمة لا تستطيع إعفاء نفسها من مساءلة مواقفها في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، ولا أن تفصل بين خياراتها السياسية وما ترتب عنها من نتائج.

 سامي الطاهري والحريات: هل تكفي المراجعة المتأخرة؟

ليس من الإنصاف، في المقابل، تجاهل المواقف التي عبّر عنها سامي الطاهري لاحقا في الدفاع عن الحريات والحق النقابي، والتحذير من تراجعها، والدعوة إلى حوار وطني تشاركي يشمل القوى السياسية والمدنية.

ففي تصريحاته بمناسبة عيد الشغل سنة 2025، أكد أن الحريات أصبحت مهددة، وشدد على استقلالية الاتحاد وضرورة فتح حوار وطني شامل. وهي مواقف تكتسب أهميتها في سياق تزايد الضغوط على المجتمع المدني والعمل النقابي.

 لكن الإقرار بأهمية هذه المواقف لا يلغي سؤال المراجعة السياسية: هل يكفي أن ندافع عن الحريات حين تصبح المنظمة نفسها في مرمى السلطة، أم أن الدفاع المبدئي عنها كان يقتضي موقفا أكثر حذرا منذ اللحظة الأولى من تركيز السلطة؟ وهل يمكن الدفاع عن الحريات اليوم من دون مراجعة الرهان السابق على تصحيح المسار، حين كانت المؤشرات على خطر احتكار السلطة تتراكم؟

إن الدفاع عن الحريات لا يُختبر فقط عندما تكون حقوقنا نحن مهددة، بل عندما تكون حقوق خصومنا هي المستهدفة أيضا. ولا يستقيم أن نرفض التضييق على الاتحاد ونصمت عن التضييق على الصحفيين أو السياسيين أو الجمعيات أو النقابيين المخالفين، كما لا يستقيم أن نستنكر توظيف السلطة للمنظمة ونغض الطرف عن أي توظيف حزبي أو إيديولوجي داخلها.

المطلوب ليس التشكيك في نوايا الطاهري، بل مساءلة المواقف والخيارات والنتائج.

فالنقد السياسي لا يستهدف الأشخاص لذواتهم، وإنما يختبر مدى الاتساق بين الخطاب والممارسة.

 من يملك الاتحاد؟ يا سي سامي الطاهري، لا أكتب دفاعا عن حركة النهضة، ولا تبرئة لأي حزب من محاولات التوظيف السياسي.

أكتب لأن الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر من أن يُختزل في صراع مع الإسلاميين، وأعرق من أن يتحول إلى ملكية إيديولوجية لليسار أو القوميين أو غيرهم.

 إذا كانت لديك معطيات موثقة بشأن خطة لاختراق الاتحاد، فاعرضها على النقابيين والرأي العام. لكن افتح، في المقابل، ملف النفوذ الحزبي داخل الهياكل، وتاريخ التوازنات التي صنعت المكاتب التنفيذية، وآليات إعداد القوائم وتوزيع النيابات، ومدى احترام حق الهياكل المخالفة في التمثيل والتعبير.

 فالحديث عن استقلالية المنظمة لا يستقيم من دون الشفافية في إدارة شؤونها، والديمقراطية في اختيار قياداتها، ورفض الإقصاء على أساس الانتماء أو الاختلاف.

 إن الاتحاد الذي قاوم استبداد بورقيبة وبن علي، وأسهمت قواعده في الثورة، لا يجوز أن يتحول إلى أداة في يد أي مشروع سياسي، ولا أن يكتفي باستعادة أمجاده بينما يتهرب من مساءلة أخطائه.

 الاختراق الأخطر ليس أن يدخل الاتحاد نقابي يحمل فكرة إسلامية أو يسارية أو قومية؛ بل أن تتحول الفكرة إلى وصاية، والوصاية إلى نفوذ، والنفوذ إلى احتكار للقرار وإقصاء للمخالف. استقلالية الاتحاد ليست شعارا يُرفع ضد الخصوم، بل امتحان يبدأ من داخل البيت.

لإسناد الفقرات المتعلقة بالمواقف الرسمية للاتحاد، يمكن الرجوع إلى:

-  بيان المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد، 24 سبتمبر 2021⁠

- بيان المكتب التنفيذي الموسع، 29 أكتوبر 2021⁠

- بيان الذكرى السادسة والسبعين لتأسيس الاتحاد، 20 جانفي 2022⁠

- تصريح سامي الطاهري بشأن الحريات واستقلالية الاتحاد، مايو 2025