أحيانا، لا نكتشف القيمة الحقيقية للسياسي حين نتفق معه، بل حين نختلف معه إلى الحد الذي يجعل الالتقاء معه مستحيلا في تقديرنا، ثم نجد أنفسنا أمام امتحان أخلاقي يكشف أن ما يجمعنا أعمق من خلافاتنا، وأن الحرية التي لا تتسع للخصم ليست سوى امتياز مؤقت يمنحه الأقوياء لأنفسهم. ذلك ما استوقفني في رسالة أحمد نجيب الشابي من وراء القضبان، رسالة لم تُسقط خلافاتي معه، لكنها أعادت وضعها في حجمها الحقيقي أمام سؤال الديمقراطية والإقصاء. عرفت الشابي من خلال جريدة «الموقف» ثم هيئة 18 أكتوبر، ومواقفه المساندة للاتحاد العام التونسي للطلبة في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات. كان في تلك المحطات صوتا متقدما في الدفاع عن الحريات ومقاومة الاستبداد.
غير أن تقدير هذه المواقف لم يمنعني من الاختلاف معه حين أصبحت الثورة موضوعا للتأويل والصراع، وحين تباينت قراءتنا لطبيعة الانتقال الديمقراطي وحدود التسوية مع بقايا النظام القديم. لم يكن خلافنا مجرد اختلاف في تقدير الأشخاص أو الحكومات، بل مسّ جوهر الرؤية السياسية للثورة والدولة والسلطة. فقد كنت أرى في بعض مواقفه، خلال الأيام الأخيرة لبن علي وبدايات الثورة، ثم في تعاطيه مع حكومة التأسيسي ( الترويكا ) ومسار إعداد الدستور، ابتعادا عن مقتضيات القطع مع منظومة الاستبداد. واختلفنا في تقييم حكومة حمادي الجبالي والترويكا، وفي تقدير مخاطر الالتفاف على الثورة، وفي حدود التنازل السياسي الذي قد يتحول من ضرورة مرحلية إلى مدخل لإجهاض التحول الديمقراطي.
وجاء انقلاب 25 جويلية ليفتح أمامي فرصة اللقاء المباشر به، خلال ليالي إضراب الجوع بمقر حزب حراك تونس الإرادة بالمنزه السادس، حيث تبلورت تحركات «مواطنون ضد الانقلاب» وتأسست جبهة الخلاص الوطني. هناك انتقل الشابي من صورة السياسي الذي أعرفه عبر مواقفه إلى رجل أحاوره وأناقشه وأعارضه وجها لوجه، وأحيانا بعنف وعنـاد. لم يمنعني الاختلاف من الإصغاء إليه، ولم يمنعه الاختلاف من تقبل النقاش. وكانت تلك اللقاءات اختبارا حقيقيا للفارق بين الخصومة السياسية والعداء الفكري.
اليوم تمنحني رسالته من وراء القضبان فرصة لإعادة تركيب هذه الصورة، لا من باب التراجع عن اختلافاتي معه، بل من باب التمييز بين تقييم الخيارات السياسية وتقدير الموقف المبدئي من الحرية. وراء هذه الخلافات تكمن تباينات أعمق في المرجعيات والتصورات في فهم العلاقة بين الثورة والشرعية، وبين التوافق والمحاسبة، وبين مقتضيات الواقعية السياسية وضرورات التغيير الجذري . لم تكن المسألة أن أحدنا يمتلك الحقيقة كاملة، بل إننا انطلقنا من زوايا مختلفة في قراءة اللحظة التاريخية، وتباينت تقديراتنا لما ينبغي حمايته وما لا يجوز التفريط فيه. ومن هنا كانت معارضتي له حقيقية، لا خلافا عابرا يمكن تجاوزه بمجرد تبدل المواقع.
لكن انقلاب 25 جويلية أعاد طرح المسألة من مستوى آخر. ففي لقاءاتي المباشرة بالشابي خلال ليالي إضراب الجوع، وفي سياق تحركات وتأسيس جبهة الخلاص الوطني، ناقشته وعارضته بشدة في بعض قراءاته للماضي. ومع ذلك، أخذت أكتشف أن الاختلاف الإيديولوجي لا يلغي إمكان الحوار، وأن التباين في المرجعيات لا يحول بالضرورة دون الالتقاء حول القيم المؤسسة للحياة السياسية المشتركة. هنا تحديدا تكتسب رسالته من السجن دلالتها الاستثنائية. فهو لا يطلب من المختلفين معه أن يتبنوا خياراته، ولا يجعل التضامن مشروطا بمراجعة مواقفهم، بل يذكّر بأن الدفاع عن حرية المخالف هو الامتحان الأصدق للإيمان بالحرية. بذلك ينتقل النقاش من سؤال الاتفاق حول البرامج إلى سؤال الحق في الاختلاف أصلا. فالحرية والديمقراطية ليستا ملكا لتيار بعينه، ولا مكافأة تمنحها السلطة لمن ترضى عنهم. إنهما قيمتان متجذرتان لا تستقيمان بالانتقاء، ولا تصمدان إذا تحول الإقصاء إلى قاعدة، وإذا أصبح قمع الخصم مقبولا لمجرد أنه ينتمي إلى مرجعية نعارضها.
وما تكشفه التجربة التونسية أن الاستبداد لا يكتفي بإقصاء خصومه التقليديين ... إنه يضرب في النهاية كل استقلال في الرأي وكل قدرة على الاعتراض. لذلك فإن الدعوة إلى اجتماع الأحرار لا تعني تذويب الفوارق الإيديولوجية، ولا إسقاط المحاسبة عن الأخطاء السياسية، ولا إقامة تحالف على النسيان. إنها تعني تأسيس أرضية مشتركة تحمي حق الجميع في التنافس، وتؤجل الصراعات المشروعة إلى فضاء ديمقراطي يسمح بإدارتها دون سجون أو تخوين أو مصادرة للحقوق. فليس المطلوب أن نتفق في قراءة الماضي، بل أن نتفق على ألا يُصادر أحد حقنا في الاختلاف حوله.
لقد منحتني رسالة الشابي صورة أكثر اكتمالا عن رجل اختلفت معه في جوهر خيارات سياسية، لكنني أجدني اليوم أقف إلى جانبه في الدفاع عن الحرية التي لا تتجزأ. لا أرى في ذلك تناقضا، بل تحررا من منطق الاصطفاف الذي يجعلنا أسرى لمواقفنا السابقة، حتى حين تصبح حماية تلك المواقف ذريعة لتبرير الظلم.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلاميين واليساريين والقوميين والليبراليين، ولا بين من أصابوا في تقدير الثورة ومن أخطأوا، إنها بين من يريدون وطنا يتسع للجميع ومن يريدونه ملكية سياسية حصرية. ومن يقبل بإقصاء خصمه اليوم، باسم الأيديولوجيا أو الثورة أو تصحيح المسار، لا يدافع عن مشروع تحرري، بل يهدم بيديه شروط تحرره.