→ جميع المقالات

يا قومنا أجيبوا داعي الله والعقل والحكمة

أقول لإخواني في النهضة ولبقية أبناء وطني أن الشيخ راشد الغنوشي لو مد له أحد خصومه الألداء يدا، فلن يتردد مطلقا في مصافحته، حبا لله ثم للوطن ولخير الانسانية، وأنا على مذهبه ذلك فرج الله عنه.

أحمد عبد النبي أحمد عبد النبي ·
مشاركة
يا قومنا أجيبوا داعي الله والعقل والحكمة

سأظل أدعو وأردد للمرة الألف، إخواني ورفاقي وأصدقائي وكافة أبناء وطني لداعي البصر والبصيرة، للرشد في الفعل والقول، للسماحة في الخطاب، لتقديم الأهم عن المهم، للتجاهل والتغاضي بل والتغابي، للتنازل وعفة اللسان والتماس الأعذار، لاستقبال القول الحسن بأحسن منه، ولاستقبال القول المتردد بالتشجيع علَّ صاحبه يتقدم خطوة، ولاستقبال من خلط قولا صالحا بآخر سيئ بتثمين الصالح والتركيز عليه وتجنب الوقوف عند السيئ أو محاورته بهدوء ينطلق من تثمين الصالح والاستدراك على السيئ.

علينا أن نكون واقعيين، ونتعامل مع الآخرين بموضوعية، وتفهم ما حفرته الصراعات من أخاديد عميقة تحتاج صبرا لردمها وليس فقط شجاعة، يراها المقابل سهلة ميسورة وما هي بذلك. كنت دائما أقول ضع نفسك في موضع الآخر، وحاول أن تفهم ما يصدر عنه، لا لتبريره ولكن كي تدرك ما يجب عليك أنت أيضا من الجهد حتى تساعده على التخلص من الأوهام التي لبست عليه، أو من الشكوك التي عششت في رأسه، أو من الوقائع الدامية التي تركت في موقفه ندوبا غائرة، تراها أنت من جهتك التي ترى الحق معها وترفض أن تقبلها من الآخر باعتبار أن الحق لا يمكن أن يكون معه، وهو يبادرك نفس الموقف. لا أنفي الأنفس الشريرة، ولكن ليس كل الناس ينطلقون من ذلك الموقع، وعلينا أن ندرك أن الآخرين قد يرون ذلك الرأي فيك.

ولنأخذ العبرة من التاريخ ... كم من صراعات دامية انتهت بمصالحات تاريخية، وكم من معارك ضارية انتهت بالجلوس على طاولة واحدة. وقف الجميع فيها بكل شجاعة ليردموا معا حفرة النار الملتهبة المليئة بالأحقاد والدسائس، وفي واقعنا الاجتماعي كم من خلافات أسرية وبين الأجوار والقبائل والجهات لم تكن شيئا أخر غير حالات فتنة ذهبت فيها العقول والقلوب واستأسدت فيها النفوس الأمارة بالسوء.

ليس لبلدنا العزيز من مخلص من الانقلاب، و ما أركسنا فيه من وضع المهانة والذل، حتى تجرأ جيراننا على التعامل معنا وكأننا ولاية من ولاياتهم، ليس لنا إلا التنازل الواعي والطوعي من الجميع، والوقوف على ساحة الثوابت الوطنية التي لا يمكن لعاقل أن يتنازل عنها، وهي الحرية والديمقراطية للجميع بدون إقصاء مهما كان لونه ظاهرا أو مبطنا. وكما كتبت سابقا مطالبنا الاجتماعية وتحقيق الكرامة لن يكونا إلا في مناخ الحرية والديمقراطية، والسيادة والتنمية لن يتحققا إلا في مناخ الحرية والديمقراطية.

وأخص بكل حب دعوتي هذه بأبناء حركة النهضة قيادات وأعضاء وأنصارا، أن يقدموا المثل، وأن يستوعبوا فقه الأولويات والموازنات، وأن يقدموا المثال في التعقل والحكمة.
إنه ليحز في نفسي أن تتعدد المبادرات الشجاعة، والدعوات الصادقة، والاجتهادات المقدرة، للتجاوز من بعض فرقائنا، فنستقبلها بميزان الذهب نزن كل جملة وكل كلمة وكل حرف!
وليسمح لي الإخوة، فقد رأيت كثيرا من صراعات الفيسبوك تبدأ من "تلقيط" البعض من كلام الآخرين، وتضخيم ما يصدر عنهم، وفتح جبهة هياج يفقد فيها من جاؤوا "ليتمموا مكارم الأخلاق" سيطرتهم على أنفسهم، ويتحولون إلى سبابين وطعانين، لا يتورع بعضهم عن استعمال فاحش القول، وكل ذلك باسم "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم "!

كل ذلك في تجاهل لخيار حركتهم قديما وحديثا، وخاصة في هذه اللحظة، الذي يستمسك بالوحدة والكلمة السواء، باعتبار ذلك شرطا ضروريا لمقاومة انقلاب يقاوم كل مساعي الوحدة بالسجن والتنكيل لأنه يدرك خطر ذلك عليه.

ورغم أن تصريحات وبيانات الحركة تؤكد على ذلك الخيار، وقيادات الحركة في السجن تؤكد على ذلك أيضا، ولا تفتأ تدعو إليه وتحرض عليه، وعلى رأسهم الشيخ راشد، وما توقيعهم على النداء الذي وجهه القادة السياسيون من وراء السجون إلا تأكيدا على ذلك. رغم ذلك فإن البعض من إخواننا لا يلقون لذلك بالا بل ويبدون وكأنهم يقاومونه.

وإنه ليحز في نفسي أن ذلك البيان الذي وججه القادة المختطفون، لم يلق ما يستحقه من الاستجابة، وهاج الناس وماجوا إثر صدور تدوينة لسيدة في نفس الوقت، ولولا هياجهم ما كان لتلك التدوينة تلك الشهرة ... "هجنا ومجنا" والنتيجة استقبال نداء القادة ببرود عوض ان يكون هو "ترند" السوشل ميديا.

وقريب من ذلك رد الفعل على مسيرة 25 وعريضة استعادة الحرية والديمقراطية، اللتين كانتا نقلة نوعية حقيقية، تقتضيان التثمين والدعم والتشجيع، إلا أننا وجدنا أنفسنا في الجبهة المقابلة بالتركيز على تدوينتي أمين عام حزب.

لا أقول أنه لا يجب أن ننقد أو نعلق أو نتحاور، ولكن كل ذلك بقدر ما هو مسموح ومطلوب، وبما لا يقلب الأولويات. وإذا كان صحيحا أن الموقف يقتضي النقد والاستدراك، فليس معقولا أن نغفل أن صاحبه شارك في المسيرة الجامعة ووقع على العريضة وطالب بإطلاق سراح كل المساجين وغير ذلك.

وقد كتبت أكثر من مرة، أن الخطاب يوجه ليس لجهة واحدة وإنما لجهات متعددة، وليس كله إعلان مواقف، بل قد يكون فيه تهيئة لمناخ داخلي، أو مراعاة لسياقات معينة، أو تدرج في الانتقال، وقد يكون طبعا عدم تخلص من عقلية إقصائية، أو استمرار لصراعات سابقة. والحكمة هي في مراعاة كل ذلك ودون أن نتخلى عن أولويتنا، وأولويتنا القصوى هي جمع الصف الوطني بأكبر قدر ممكن.

وعلي أن أذكر بكل ألم، أن بعض أصدقائي "كتاب الرأي"، تجاهلوا المسيرة والعريضة، بل كتبوا بما يوحي وكأنه لم يحصل شيئ، واستمروا في خطاب نعي نخبة فاشلة، لا تنتج شيئا ولا يمكن لها أن تجتمع! إنه مؤلم حقا.

بقي أخيرا أن أقول، لإخواني في النهضة، ولبقية أبناء وطني، أن الشيخ راشد الغنوشي، لو مد له أحد خصومه الألداء يدا، فلن يتردد مطلقا في مصافحته، حبا لله ثم للوطن ولخير الانسانية، وأنا على مذهبه ذلك، فرج الله عنه.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©