هل ان انزعاج الجزائر من التدخل في تونس يسمح لتبون بالحديث عن تونس بتلك الطريقة؟
نحن يسعدنا ان تكون الجزائر قوية فقوتها قوة لنا جميعا، ولكن لا يعني ذلك إنه كي تقوى الجزائر يجب ان تضعف تونس ! تونس قوية وستبقى قوية بتاريخها ورجالها وشعبها ولن تنتقص بإذن الله،
قال الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة مرة إثر انتقادات وجهت إلى موريتانيا : "استصغروك فوصفوك"!
وكان القصد من التصريح الدفاع عنها، ولكنه دفاع لا يبعد كثيرا عن الذم! يخفي استنقاصا لموريتانيا لا يختلف عمن ينتقدهم.
ذلك هو الشأن مع تبون في حديثه عن تونس: "يحبوا ياكلوها ويبلعوها ساهلة" !!!
معنى ذلك أن تونس مستضعفة ويسهل ابتلاعها لولا الجزائر التي تقف دون ذلك، وهي تقف معها لا لأن حق الجار على الجار نصرته، بل لأن ضرب تونس مقصود به الجزائر ... وكانه يقول نحن لا ندافع عن تونس "لسواد عيونها" وإنما دفاعا عن أنفسنا !
فقط للمقارنة، يتداول الناس على السوشيل ميديا مقتطعا من حوار للملك المغربي الحسن الثاني، سئل فيه عن تونس خلال احداث قفصة، فكانت إجابة الملك المغربي غاية في الرقي وغاية في الإحترام وغاية في حفظ كرامة تونس.
للأسف، يشق بعض أوساط النخبة الجزائرية لا سيما الحاكمة هذه السنوات الأخيرة، غياب شبه تام للحكمة والدبلوماسية، بعيد حتى عن تعاطي الجزائر مع تونس في عهد بوتفليقة.
لا شك أن غرور المال والقوة يفرعن بعض الناس ويقورنهم وهم لا يشعرون!
لفت نظري حديث تبّون كم من مرة عن "النخوة الجزائرية"، وهي صفة نحبها ونثمنها في الأخوة الجزائريين، لكنها ككل شيء إذا أفرطت فيه تطرفت، وإذا تطرفت تنكبت الطريق.
غير ان النخوة صفة لا يحتكرها إخوتنا الجزائريون، ولا يجب حتما أن تمر من خلال العجرفة والرعونة، فيمكن ان تكون لك نخوة وعزة وكرامة، وتحتفظ في نفس الوقت بحكمتك وتعقلك وعفة لسانك.
وليس التونسيون بأقل نخوة من الجزائريين، وقد كانت للدبلوماسية التونسية على طول تاريخها، عزتها ونخوتها ودفاعها المستميت عن مصالح بلدها، ولم تستجد احدا من الدول، وإنما تؤمن بتبادل المصالح. وفي العلاقات الدولية لكل دولة عناصر قوتها مهما بدت صغيرة، تستمدها من تقاليد وثقافية شعبها، وموقعها الجيوستراتيجي، وصوتها في المحافل الدولية والإقليمية، و عناصر القوة المادية التي لا يخلو منها بلد، وقبل ذلك من رأسمالها البشري.
التونسيون يثمنون الجوار، ولهم مع الجزائر جوار عميق، وتمازج ليس بالهين، والتونسيون وإن كانوا لا يمُنّون على إخوانهم، إلا انه من الانصاف التذكير بدور جامع الزيتونة الذي تخرج من جنباته قطاع مهم من نخبة الجزائر المعاصرة، ومنهم عدد كبير من قادة الثورة الجزائرية وبناة دولة ما بعد الاستعمار المباشر. وتونس كانت محضن قيادة ثورة التحرير والحكومة المؤقتة. وفي ساقية سيدي يوسف اختلط دم الإخوة الجزائريين والتونسيين.
وتغاضى التونسيون عن مساهمة الجزائر في أحداث قفصة، وتنازلوا قبل ذلك عن جزء من أراضيهم رغبة في حسن الحوار، ومؤمنين بأن الانسان أغلى من المال زالجار قبل الدار.
ولا يستطيع الحزائريون إنكار أن الإرهاب جاءنا من حدودهم وبل وقاده جزائريون، ولا نزيد أكثر .
في المقابل ماذا فعلت تونس وعشرية انتقالها الديمقراطي للجزائر؟
لم تفعل إلا خيرا ... احترمت علاقاتها، ولم تتدخل قيد انملة في وضعها الداخلي، وتشاورت ونسقت معها. كان لعلاقة الشيخ راشد الغنوشي والمرحوم الباجي قائد السبسي بالمرحوم الرئيس بوتفليقة دورا كبيرا في التعاون بين البلدين، و قد أظهر الرئيس بوتفليقة قدرا عاليا من التفهم لتطلعات الشعب التونسي، وسارت العلاقات في عهده ودية، وحرص الطرفان على حمايتها من كل انزلاق رغم وجود أسباب ذلك أحيانا.
لكن الامر انقلب مع الحكام الجدد، الذين استعاد معهم الحرس الجزائري القديم، وثيق الصلة بعضهم بالعشرية السوداء، فمارسوا دورا غير محمود مع تونس، استفحل بعد إنقلاب قيس سعيد، وتحول إلى تدخل سافر.، عكسته فلتات لسان تبون، وطريقة رده عند الحديث عن العلاقات مع تونس.
لقد استغل الجزائريون وجود قيس سعيد، كي يتقدموا خطوات كبيرة في التدخل في شؤون تونس، لا تبررها إطلاقا تخوفاتهم على امنهم القومي.
لا يستطيع الجزائريون التنصل من مسؤوليتهم على التنكيل بالمعارضة التونسية للانقلاب، وعلى رأسها شيوخ يحبون الجزائر ويعرفون قدرها ولم يمسوها بسوء لا سرا ولا علنا.
كيف للجزائر أن توافق أو تغض الطرف عن التنكيل بالشيخ راشد الغنوشي الذي يحب الجزائر وكأنها بلده الثاني.
ولقد كنت شاهدا في بداية تسعينات القرن الماضي، على الشيخ راشد وهو لا يكاد يتوقف عن الإشادة والافتتان بالجزائر وشعبها ودولتها، دولة النخوة والرجولة التي لا يظلم فيها الرجال ويحتمي بها المطاردون من قمع الأنظمة الديكتاتورية،
لكن جزائر الحاضر تنكرت لذلكللإسف، وقبلت بزجه في السجن، وهو ينكل به الآن في سنه والامراض التي يعانيها تحت بصرها.
الجزائر التي تنكرت لأحمد نجيب الشابي وقبلت باختطافه في سنه الثمانيني.
الجزائر التي قبلت بسجن خيام التركي صديقها المقرب.
الجزائر التي ارتكبت فضيحة لا تليق بها في تسليم سيف الدين مخلوف أمين عام حزب ائتلاف الكرامة، بعد أن كانت سيرتها مشرفة في إجارة الهاربين من جحيم الديكتاتورية من بن صالح إلى مزالي إلى نجيب الشابي إلى راشد الغنوشي وغيرهم من المناضلين، فلم تسلمهم وسهلت مرورهم إلى المهاجر الأوروبية.
الجزائر التي قبلت بسجن بقية القادة السياسيين الأحرار الذين لم يؤذوا الجزائر، ولم يطالبوا إلا بالحرية والكرامة للتونسيين.
لا يستطيع الجزائريون، ونقصد هنا رجال الحكم والمتنفذون أساسا في المؤسسة العسكرية والأمنية التنصل من تلك المسؤولية، ولا يستطيعون تبريرها،
أما الشعب الجزائري فهو منا ونحن منه، دماؤنا مختلطة، وقبائلنا مختلطة، وعاداتنا متشابكة، اخذوا منا واخذنا منهم وسنواصل فعل ذلك، ولم تمح الحدود المصطنعة التي استمسكت بها الدولة الجزائرية ما بيننا من وشائج القرب والحب.
كل ما ذكرته ليس كشفا للحساب، ولا صبا للزيت على النار، وإنما حبا للجزائر، ومصارحة للدولة الجزائرية، ولفت انتباه للنخبة الجزائرية، كي يساهموا في العودة بالعلاقة بين البلدين لما تقتضيه من المودة والتعاون وحسن الحوار .
لا يمكن أن يخفى على الاخوة الجزائريين عدم ارتياح إن لم نقل غضب التونسيين من تصريح الرئيس الجزائري، وخاصة مع التعاطي الإعلامي الجزائري معه، الذي يكاد ان يكون هو من زاد في إعطاء التصريح وجهه السلبي.
نحن يسعدنا ان تكون الجزائر قوية فقوتها قوة لنا جميعا، ولكن لا يعني ذلك إنه كي تقوى الجزائر يجب ان تضعف تونس !
تونس قوية وستبقى قوية بتاريخها ورجالها وشعبها ولن تنتقص بإذن الله،
ورحم الله علَم الجزائر ومفكرها الفذ وأستاذنا جميعا مالك بن نبي، الذي يروي عنه الشيخ راشد انه عندما التقاه أول مرة عند عودته لتونس سنة 1969، ان أحد الحاضرين في مجلسه من الجزائريين سأله وقد تطرق الحديث عن تونس وجامع الزيتونة، قائلا له نستطيع أن نجعل من الجزائر مركزا بديلا للإشعاع، فرد عليه بن نبي قائلا : يا بني المراكز الحضارية لا يمكن تعويضها بسهولة.
وكان ذلك حافزا كبيرا للشيخ راشد كي يدخل تونس بعد غربة، ممتلئا ثقة بما تختزنه تونس من مقومات القوة والعزة الحضارية، التي لن تموت ولا يمكن نقلها ولا سرقتها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.