لم تكن مأساة الدكتور منصف بن سالم مجرد محنة شخصية عاشها عالم تونسي بسبب انتمائه الفكري والسياسي، بل كانت صورة مكثفة لمأساة وطن اختارت سلطته ملاحقة العقول بدل الاستثمار فيها، وتطويع الجامعة بدل تحريرها، وبناء الدولة الأمنية على حساب الدولة العلمية. ففي كتابه «سنوات الجمر»، تتحول السيرة الذاتية إلى وثيقة إدانة تاريخية تكشف كيف استهدفت السلطتان البورقيبية والنوفمبرية الإسلاميين والمعارضين والنخب الجامعية المستقلة، وكيف أصبح التفوق العلمي نفسه موضع شبهة حين يقترن بحرية الضمير واستقلال الموقف.

ويعيد الكتاب، إلى جانب الحوار الذي أجرته صحيفة «الوسط التونسية» مع منصف بن سالم سنة 2006، فتح أحد أكثر ملفات التاريخ التونسي المعاصر إيلامًا: ملف العلاقة بين الاستبداد والعلم، وبين الدولة والجامعة، وبين الحداثة المعلنة والقمع الممارس. فمن خلال تجربة عالم رياضيات حُرم من التدريس والسفر، ووُضع تحت الحصار والمراقبة، وعوقبت أسرته، تتجلى حقيقة نظام كان يخشى العالم الحر أكثر مما يخشى الجاهل المطيع. إنها شهادة لا تستعيد «سنوات الجمر» فحسب، بل تطرح سؤالًا ما يزال راهنًا: كم خسرت تونس حين حاصرت علماءها، وكم كان يمكن أن تربح لو جعلت من منصف بن سالم وأمثاله بناةً لمشروعها العلمي والحضاري؟

كتاب "سنوات الجمر" شهادات حية عن الاضطهاد الفكري واستهداف الإسلام في تونس» للدكتور منصف بن سالم رحمه الله يُعدّ من أهم كتب الشهادات السياسية والفكرية التي أرّخت لفترة الصدام بين السلطة البورقيبية ثم البدايات الأولى للعهد النوفمبري وبين التيار الإسلامي في تونس. فالكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية للدكتور المنصف بن سالم، بل هو وثيقة تاريخية وسياسية تكشف طبيعة الدولة التونسية الحديثة، وحدود الحداثة السلطوية، وأشكال القمع التي مورست ضد المعارضين، وخاصة الإسلاميين والنخب الجامعية المستقلة. ومن خلال هذا العمل تتقاطع السيرة الفردية مع التاريخ الوطني، ويتحول الألم الشخصي إلى شهادة على مرحلة كاملة من تاريخ تونس المعاصر.

ينطلق المنصف بن سالم في كتابه من استعادة مسار حياته العلمية والأكاديمية، منذ الطفولة والدراسة وصولاً إلى التفوق الجامعي في الرياضيات بفرنسا ثم العودة إلى تونس للعمل أستاذًا جامعيًا. ويكشف الفصل الأول المعنون بـ«نشأة وطموحات» كيف تشكل وعيه الفكري والعلمي في بيئة تونسية محافظة نسبيًا، حيث جمع بين التفوق العلمي والانتماء الحضاري الإسلامي. وقد أراد الكاتب منذ البداية أن يؤكد أن الإسلاميين لم يكونوا جماعة هامشية جاهلة كما صورتهم السلطة، بل كانوا من خيرة الكفاءات العلمية والأكاديمية.

ويظهر في هذا الجزء من الكتاب البعد الرمزي لشخصية المنصف بن سالم؛ فهو عالم رياضيات ذو مستوى عالمي، اشتغل في مؤسسات علمية دولية، ونشر أبحاثًا أكاديمية مرموقة، ومع ذلك وجد نفسه عرضة للملاحقة والإقصاء بسبب انتمائه الفكري والسياسي. ومن هنا يطرح الكتاب إشكالية مركزية: هل كانت الدولة التونسية الحديثة تقبل فعلًا بالتعددية الفكرية؟ أم أنها كانت تريد نموذجًا ثقافيًا واحدًا يخضع للمنظومة الرسمية؟ هذا السؤال يحضر في كامل فصول الكتاب باعتباره جوهر الأزمة بين السلطة والإسلاميين.

ويخصص الكاتب جزءًا مهمًا من شهادته للحديث عن الجامعة التونسية، باعتبارها فضاءً للصراع الفكري والسياسي. فالجامعة لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت ساحة مواجهة بين مشروعين: مشروع الدولة البورقيبية ذات التوجه الالاغترابي المركزي، ومشروع الحركة الإسلامية التي كانت تسعى إلى إعادة الاعتبار للهوية العربية الإسلامية داخل المجتمع والدولة. ويكشف بن سالم كيف تعرض الأساتذة والطلبة الإسلاميون للتضييق الإداري والمراقبة الأمنية ومنع النشاط الفكري الحر داخل الحرم الجامعي.

ومن أهم الأفكار التي يبرزها الكتاب أن الصراع لم يكن دينيًا بالمعنى الضيق، بل كان صراعًا حول هوية تونس ومستقبلها الحضاري. فالسلطة، حسب رؤية المؤلف، تبنت نموذجًا تحديثيًا مستوردًا من التجربة الفرنسية، قائمًا على إقصاء الدين من المجال العام وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية فوقية. في المقابل، كانت الحركة الإسلامية تعتبر نفسها مدافعة عن الشخصية العربية الإسلامية للشعب التونسي، وعن حق المجتمع في التعبير عن مرجعيته الحضارية داخل السياسة والثقافة والتعليم.

ويكشف الفصل الثالث من الكتاب، المعنون بـ«مظالم ومعاناة الهجمة الظالمة على الاتجاه الإسلامي»، حجم الحملة التي تعرض لها الإسلاميون منذ أواخر السبعينات وبداية الثمانينات. فقد شهدت تونس آنذاك موجات اعتقال واسعة، ومحاكمات سياسية، وحملات إعلامية ضخمة هدفت إلى شيطنة الإسلاميين وتقديمهم كخطر على الدولة والمجتمع. ويصف الكاتب كيف كانت الصحافة الرسمية تتهم الإسلاميين بالرجعية والتطرف، وكيف تحولت أجهزة الدولة إلى أدوات لمحاصرتهم فكريًا واجتماعيًا.

ولا يكتفي بن سالم بسرد الوقائع، بل يحاول تحليل الخلفيات الفكرية والسياسية لهذه الحملة. فهو يرى أن السلطة كانت تخشى من تنامي شعبية الحركة الإسلامية داخل الجامعات والأحياء الشعبية والنقابات، خاصة بعد تراجع المشروع القومي واليساري في المنطقة العربية. لذلك اعتبرت السلطة أن الإسلاميين يمثلون البديل الأكثر قدرة على تعبئة المجتمع، وهو ما جعلها تتعامل معهم بوصفهم تهديدًا استراتيجيًا وليس مجرد معارضة سياسية عادية.

ومن أبرز المحاور التي يتناولها الكتاب العلاقة بين القمع والاستبداد من جهة، وإنتاج التطرف من جهة أخرى. فالمنصف بن سالم يؤكد أن غياب الحرية وإغلاق المجال السياسي يدفعان قطاعات من الشباب نحو اليأس والراديكالية. ولذلك ينتقد بشدة سياسات الدولة التي اعتمدت المقاربة الأمنية بدل الحوار السياسي والفكري. وهذه الفكرة تجعل الكتاب قريبًا من أدبيات نقد الدولة البوليسية في العالم العربي، حيث يتحول القمع إلى عنصر مولد للأزمات بدل أن يكون وسيلة لحلها.

ويحتل موضوع السجن مساحة مركزية في الكتاب، خاصة في فصل «سنوات الجمر». فالسجن عند المنصف بن سالم ليس مجرد مكان للعقاب، بل تجربة وجودية وإنسانية تكشف طبيعة النظام السياسي. ويصف الكاتب ظروف الاعتقال القاسية، وأساليب التعذيب النفسي والجسدي، والعزلة، والإهانات اليومية التي تعرض لها المعتقلون السياسيون. كما يتحدث عن محاولات كسر إرادة السجناء وتحطيمهم معنويًا، لكنه يؤكد في المقابل أن تلك التجربة زادت الكثير من الإسلاميين صلابة وإيمانًا بقضيتهم.

ويظهر في شهادات السجن البعد الإنساني العميق للكتاب؛ إذ يتحدث المؤلف عن العلاقات بين السجناء، وعن التضامن الإنساني داخل المعتقل، وعن محاولات الحفاظ على الكرامة رغم ظروف القهر. كما يبرز دور الإيمان الديني في منح المعتقلين القدرة على الصمود النفسي. وهنا يتحول الدين من مجرد خطاب سياسي إلى قوة روحية وأخلاقية تساعد الإنسان على مقاومة الانكسار.

كما يتناول الكتاب الحملة الإعلامية والثقافية التي صاحبت القمع الأمني. فالسلطة، حسب المؤلف، لم تكتفِ بالسجون والمحاكمات، بل سعت إلى تشويه الإسلاميين ثقافيًا عبر الصحافة والإذاعة والتلفزيون. وقد جرى تصويرهم كأعداء للمرأة وللحداثة وللعلم، رغم أن العديد منهم كانوا من خيرة الأساتذة، والباحثين، والأطباء، والمهندسين. ومن خلال هذه النقطة يكشف الكتاب كيف يمكن للإعلام الرسمي أن يتحول إلى أداة لتوجيه الرأي العام وصناعة العدو الداخلي.

ومن القضايا المهمة التي يثيرها الكتاب أيضًا مسألة العلاقة بين الإسلام والعلم. فالمنصف بن سالم، باعتباره عالم رياضيات، يرفض الصورة النمطية التي تربط التدين بالتخلف العلمي. بل يرى أن الحضارة الإسلامية كانت تاريخيًا حضارة علم ومعرفة، وأن الأزمة ليست في الإسلام، بل في الاستبداد السياسي والتبعية الثقافية. ومن هنا يطرح نموذج «العالم المسلم» القادر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الإيمان والتفوق العلمي.

ويقدم الكتاب كذلك نقدًا ضمنيًا للنخب الحداثوية التونسية التي ساندت السلطة أو صمتت عن الانتهاكات التي تعرض لها الإسلاميون. فالكاتب يعتبر أن كثيرًا من المثقفين الذين رفعوا شعارات الحرية وحقوق الإنسان لم يدافعوا عن هذه المبادئ عندما تعلق الأمر بالإسلاميين. ولذلك يطرح الكتاب سؤال الازدواجية في الخطاب الحداثي العربي: هل الحرية حق للجميع أم فقط لمن يتبنى المرجعية الفكرية السائدة؟

وفي الجانب السياسي، يبرز الكتاب كيف ساهم القمع في تعميق الأزمة بين الدولة والمجتمع. فبدل أن تقود سياسات التحديث – كما هو مطلوب-إلى بناء توافق وطني واسع، أدت إلى خلق انقسامات حادة وشعور بالغربة والاغتراب لدى قطاعات كبيرة من الشعب. ويرى المنصف بن سالم أن النظام أخطأ عندما تعامل مع الهوية الإسلامية باعتبارها عقبة أمام التقدم، بدل اعتبارها عنصرًا من عناصر بناء مشروع وطني جامع.

كما يمكن قراءة «سنوات الجمر» بوصفه دفاعًا عن الذاكرة الجماعية للحركة الإسلامية التونسية. فالكتاب يسعى إلى توثيق ما يعتبره الكاتب مظالم تعرض لها الإسلاميون، حتى لا تُطمس من التاريخ الرسمي. ولهذا تكتسب الشهادة قيمة أرشيفية كبيرة، لأنها تقدم رواية من داخل التجربة، لا من خارجها. وهي بذلك تساهم في إعادة كتابة تاريخ تونس المعاصر من زاوية المهمشين والمقموعين.

ومن الناحية الأدبية، يتميز الكتاب بلغة تجمع بين السرد التوثيقي والانفعال الوجداني. فالكاتب لا يكتب ببرودة المؤرخ المحايد، بل بلغة الشاهد الذي عاش التجربة وتألم بسببها. ولذلك نجد في النص حضورًا قويًا للعاطفة، خاصة عند الحديث عن السجن أو الظلم أو معاناة العائلة. لكن هذا البعد العاطفي لا يلغي القيمة التوثيقية للعمل، بل يمنحه قوة إنسانية إضافية.

وإذا قارنا هذا الكتاب بكتب أخرى تناولت تجربة الإسلاميين في تونس، نجد أن خصوصية المنصف بن سالم تكمن في تركيزه على البعد الأكاديمي والعلمي للصراع. فهو يقدم صورة عن الإسلامي الجامعي المثقف الذي وجد نفسه في مواجهة منظومة سياسية أرادت احتكار تعريف الحداثة والعقلانية.

كما يفتح الكتاب الباب أمام فهم أوسع لعلاقة السلطة العربية بالنخب المستقلة. فالمشكلة لم تكن فقط مع الإسلاميين، بل مع كل شخصية مستقلة قادرة على التأثير الفكري والاجتماعي خارج إطار الدولة. ولذلك يمكن اعتبار تجربة المنصف بن سالم مثالًا على مأزق الدولة الوطنية العربية الحديثة بأفقها الليبرالي الهجين والمرتبك التي تخشى استقلال المجتمع المدني والجامعة والنخب الفكرية.

وفي المحصلة، فإن كتاب «سنوات الجمر» ليس مجرد مذكرات شخصية، بل شهادة تاريخية وفكرية على مرحلة من أكثر مراحل تونس توترًا وصدامًا. إنه كتاب عن الاستبداد والهوية والجامعة والسجن والكرامة الإنسانية، وعن الصراع بين الدولة السلطوية والمجتمع الباحث عن الحرية والتعبير عن ذاته الحضارية. كما أنه يكشف أن معركة الإسلاميين في تونس لم تكن فقط معركة سياسية، بل كانت أيضًا معركة من أجل الاعتراف بالجذور الوطنية الإسلامية لحركة التحرير الوطني والثقافي والحضاري وبالهوية وبالجذور الوطنية لحركة التحرير الديمقراطي إضافة الى الاعتراف بالحق في الاختلاف.

وقد اكتسب الكتاب أهمية إضافية بعد الثورة التونسية سنة 2011، إذ بدا لكثيرين أن ما رواه المنصف بن سالم لم يكن مجرد حالات فردية، بل جزءًا من بنية كاملة من القمع السياسي الذي عاشته تونس لعقود. لذلك تحوّل الكتاب إلى وثيقة لفهم جذور الأزمة السياسية التونسية، وفهم العلاقة المعقدة بين الإسلاميين والدولة والنخب الحداثية.

كما يقدم «سنوات الجمر» درسًا عميقًا في معنى الصمود الفكري والإنساني. فالمنصف بن سالم يخرج من التجربة مؤمنًا بأن المعرفة والحرية والهوية لا يمكن سحقها بالقوة وحدها، وأن السجون قد تعذب الأجساد لكنها لا تستطيع دائمًا إخضاع الأفكار. ولهذا يبقى الكتاب شهادة مؤثرة على مرحلة كاملة من تاريخ تونس الحديث، وعلى ثمن الحرية في العالم العربي.

وستكون الصورة أكثر جلاء ووضوحا بالتعرض بأهم مفاصل الحوار الذي اجرته محلة الوسط التونسية مع الدكتور منصف بن سالم في فترة مبكرو سابقة على الثورة. ..

يُعدّ الحوار الذي أجرته صحيفة الوسط التونسية مع المفكر والعالم التونسي منصف بن سالم سنة 2006 من أهم الحوارات السياسية والفكرية التي وثّقت مرحلة الاستبداد في تونس خلال عهد زين العابدين بن علي، لأنه لم يكن مجرد حوار صحفي عادي، بل شهادة تاريخية وسياسية وإنسانية حول طبيعة النظام التونسي، وحول علاقة السلطة بالعلم والدين والمعارضة السياسية. وقد جاء هذا الحوار في سياق بالغ الحساسية، إذ كان الدكتور منصف بن سالم يعيش تحت حصار أمني خانق وإقامة جبرية طويلة، كما أعلن آنذاك دخوله في إضراب عن الطعام احتجاجاً على ما تعرض له من تهميش واضطهاد وملاحقات متواصلة.

وقد جرى الحوار في ظرف سياسي اتسم بتصاعد القمع ضد المعارضين الإسلاميين والحقوقيين والنقابيين في تونس، خاصة بعد موجة الاعتقالات الواسعة التي طالت حركة النهضة منذ بداية التسعينات. وكانت السلطة آنذاك تسعى إلى تقديم نفسها للغرب باعتبارها نموذجاً "حداثياً" و"مكافحاً للتطرف"، بينما كانت تمارس ـ حسب شهادة بن سالم ـ سياسة خنق للحريات وملاحقة للنخب العلمية والفكرية المستقلة. لذلك اكتسب الحوار أهمية استثنائية لأنه كشف الوجه الخفي للنظام من خلال تجربة عالم رياضيات مرموق لا يمكن اتهامه بالجهل أو التخلف أو الشعبوية.

ومن أهم المفاصل التي تناولها الحوار حديث منصف بن سالم عن علاقة النظام التونسي بالإعلام. فقد أكد أن السلطة كانت تخشى الإعلام الحر، خاصة الفضائيات العربية والإنترنت، لأنها تكشف حقيقة الانتهاكات في تونس. واعتبر أن النظام سعى إلى احتكار الصورة والمعلومة، بل وصل الأمر ـ حسب قوله ـ إلى حجب آلاف المواقع الإلكترونية ومنع حرية التعبير الرقمية، حتى أصبحت تونس من أوائل الدول العربية في مراقبة الإنترنت ومحاكمة مستخدميه. كما تحدث عن الضغوط التي كانت تمارس على قنوات عربية مثل الجزيرة والعربية لمنع استضافة المعارضين التونسيين.

ومن النقاط المحورية في الحوار وصفه للحصار الأمني الذي عاشه سنوات طويلة. فقد تحدث بن سالم عن مراقبة دائمة لمنزله، وعن فرق أمنية تتناوب على حراسته باعتباره "هدفاً" أمنياً، وعن منع الزوار والصحفيين وحتى الوفود الأجنبية من الوصول إليه. كما أشار إلى أن وفوداً من الكونغرس الأمريكي ومؤسسات علمية عالمية حاولت زيارته أكثر من مرة لكن السلطة منعتها من ذلك. وهذه الشهادات تكشف حجم الخوف الذي كانت تشعر به السلطة من شخصية علمية تجمع بين المكانة الأكاديمية والانتماء الإسلامي.

كما كشف الحوار جانباً إنسانياً مؤثراً من حياة منصف بن سالم، خاصة عندما تحدث عن وفاة والدته وهو تحت الإقامة الجبرية. فقد رفضت السلطات السماح له بزيارتها إلا بإذن أمني مهين، لكنه رفض الخضوع لذلك، فماتت والدته ودُفنت دون أن يحضر جنازتها. وقد قدّم هذه الحادثة باعتبارها رمزاً لمعركة الكرامة مع السلطة، مؤكداً أن النظام كان يريد إخضاعه نفسياً ومعنوياً قبل أي شيء آخر. وتحوّلت هذه الواقعة لاحقاً إلى واحدة من أشهر القصص المرتبطة بتاريخ القمع السياسي في تونس.

ومن أهم محاور الحوار أيضاً تقييمه لوضع التعليم والبحث العلمي في تونس قبل وبعد سنة 1987. فقد اعتبر أن الجامعة التونسية كانت تمتلك مستوى علمياً محترماً في السبعينات والثمانينات، لكن التدخل السياسي والحزبي دمّر استقلاليتها لاحقاً. وانتقد بشدة السياسات التعليمية التي انتهجها وزير التربية السابق محمد الشرفي، معتبراً أنها ساهمت في إضعاف التكوين العلمي وإفساد الجامعة عبر التعيينات السياسية والتخفيف من المعايير الأكاديمية. كما تحدث بحسرة عن انهيار مستوى الطلبة والأساتذة مقارنة بالماضي.

وفي جانب فكري وفلسفي مهم، دافع بن سالم عن إمكانية التوفيق بين الإسلام والعقل العلمي، بل ذهب إلى اعتبار أن القرآن يحمل منطقاً علمياً عميقاً يمكن فهمه من خلال الرياضيات والفيزياء الحديثة. واستشهد بنظرية النسبية والانفجار العظيم وبعض المفاهيم الرياضية لتفسير آيات قرآنية وأحاديث نبوية، مؤكداً أن الكثير من العلماء الغربيين الذين اشتغلوا بالرياضيات والفيزياء كانوا يقتربون من فهم عدد من الآيات  القرآنية حسب تعبيره. وقد شكّل هذا الجزء من الحوار نموذجاً للرؤية التي كان يحملها تيار من الإسلاميين التونسيين الذين سعوا إلى تقديم الإسلام باعتباره منسجماً مع العلم والحداثة لا مناقضاً لهما.

كما تناول الحوار بدايات الحركة الإسلامية داخل الجامعة التونسية في السبعينات، حيث تحدث بن سالم عن تأسيس أول نواة إسلامية في كلية العلوم بتونس، وعن جهودهم للدفاع عن اللغة العربية وإقامة الصلاة داخل الحرم الجامعي في مواجهة بعض التيارات وادعياء اليسار البرجوازي والفرنكوفونية المهيمنة آنذاك. وقد اعتبر أن الصحوة الإسلامية في الجامعات لم تكن ظاهرة سطحية أو طارئة، بل تعبيراً عن بحث جيل كامل عن الهوية والمعنى في مواجهة الغربة والاغتراب والاستبداد.

ومن المفاصل السياسية المهمة في الحوار حديثه عن "لجنة الإنقاذ الوطني" التي تشكلت في أواخر عهد الحبيب بورقيبة. وقد قدم بن سالم هذه اللجنة - من وجهة نظره - باعتبارها محاولة لإنقاذ البلاد من الانهيار السياسي والصحي الذي أصاب بورقيبة في سنواته الأخيرة. كما تحدث عن الاتفاقات التي جرت مع نظام بن علي بعد 7 نوفمبر، ثم عن تراجع السلطة عن وعودها المتعلقة بإعادة الحقوق للمساجين السياسيين وإرجاعهم إلى وظائفهم. وهنا يظهر شعور عميق بالخيانة السياسية من طرف النظام الذي رفع شعارات الإصلاح ثم عاد إلى القمع بصورة أشد.

أما على مستوى استشراف المستقبل، فقد عبّر منصف بن سالم عن قناعته بأن نظام بن علي لن يدوم طويلاً، وأنه يعيش سنواته الأخيرة بسبب فقدانه للشرعية داخلياً وخارجياً. وتوقع أن يشهد الشارع التونسي انفجاراً شعبياً نتيجة تراكم المظالم والاحتقان، وهو ما يجعل هذا الحوار يبدو آنذاك أقرب إلى "نبوءة سياسية" سبقت الثورة التونسية بخمس سنوات تقريباً. كما أكد أن الإسلاميين سيظلون مكونا أساسيا في مستقبل تونس والمنطقة، مستشهداً بصعود الأحزاب الإسلامية في تركيا وفلسطين والمغرب آنذاك.

وفي المجمل، يكشف هذا الحوار أن قضية منصف بن سالم لم تكن مجرد قضية شخصية، بل كانت تعبيراً عن صراع أعمق بين السلطة والمعرفة، وبين الاستبداد والنخبة العلمية المستقلة، وبين مشروع الدولة الأمنية ومشروع الحرية. ولذلك بقي هذا الحوار وثيقة سياسية وفكرية مهمة لفهم طبيعة النظام التونسي قبل الثورة، كما بقي شاهداً على شخصية أكاديمية جمعت بين التفوق العلمي والالتزام السياسي والفكري.

لقد شكّل اضطهاد نظام السابع من نوفمبر في تونس، بقيادة زين العابدين بن علي، للدكتور منصف بن سالم أحد أكثر الأمثلة دلالة على الطريقة التي تعاملت بها الدولة الاستبدادية مع العقول العلمية الحرة. فبدل أن يُنظر إلى الدكتور منصف بن سالم باعتباره ثروة وطنية واستثنائية في مجال الرياضيات والبحث العلمي، جرى التعامل معه كخصم سياسي ينبغي تدميره نفسيًا واجتماعيًا ومهنيًا. كما حصل في الماضي مع الدكتور البشير التركي ويحصل اليوم  مع الدكتور محمد الفريخة وغيرهم من الكفاءات العلمية ولم يكن استهداف الدكتور منصف بن سالم  مجرد قضية فردية، بل كان تعبيرًا عن أزمة عميقة عاشتها تونس في علاقتها بالعلم والمعرفة والجامعة، حيث خضعت المؤسسات الأكاديمية لمنطق الولاء الأمني بدل منطق الكفاءة والإبداع.

لقد كان الدكتور منصف بن سالم من أبرز الكفاءات العلمية التونسية والعربية في مجال الرياضيات، إذ تميز بمسار أكاديمي رفيع وبقدرات بحثية جعلته يحظى بتقدير واسع داخل الأوساط العلمية. غير أن انتماءه الفكري والسياسي، ورفضه الانخراط في منظومة الخضوع للنظام، جعلاه هدفًا للملاحقة والتضييق. وهكذا تحوّل أستاذ الرياضيات إلى مطارد سياسي، وتحوّل الحرم الجامعي من فضاء للحرية العلمية إلى ساحة مراقبة أمنية وعقاب  زجري وإداري. لقد أراد النظام النوفمبري أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن التفوق العلمي لا قيمة له إذا لم يكن خاضعًا للسلطة.

ولم يقتصر الأمر على العزل الوظيفي أو التضييق الإداري، بل امتد إلى التفقير الممنهج والتعذيب المعنوي ومحاولة تحطيم الإنسان من الداخل. فقد عانى الدكتور منصف بن سالم من المنع من العمل، والمراقبة الأمنية، والحرمان من السفر، والتضييق على أسرته، وهي وسائل لم تكن تستهدف شخصه فحسب، بل كانت تهدف إلى تحويله إلى نموذج ردعي لكل أكاديمي يفكر في الاستقلال عن السلطة. لقد كانت الدولة البوليسية ترى في العالم الحر خطرًا أكبر من الجاهل المطيع، لأن المعرفة المستقلة تفضح هشاشة الاستبداد وتكشف خواء شرعيته الفكرية.

إن مأساة منصف بن سالم لم تكن معزولة عن السياق العام الذي عاشته الجامعة التونسية في عهد بن علي. فقد تعرضت الجامعة إلى عملية تدجين واسعة، جرى خلالها إضعاف البحث العلمي، وتهميش الكفاءات المستقلة، وربط الترقيات والفرص الأكاديمية بمعايير الولاء السياسي. وهكذا فقدت تونس، تدريجيًا، جزءًا مهمًا من رأسمالها العلمي والرمزي، وتحولت الهجرة الأكاديمية إلى قدر شبه جماعي للنخب العلمية التي لم تجد في وطنها بيئة حاضنة للإبداع. لقد كان الاستبداد يدرك، بحدسه الأمني، أن الجامعة الحرة يمكن أن تتحول إلى مختبر لإنتاج الوعي النقدي، ولذلك عمل على إخضاعها وكسر استقلاليتها.

ولو أن الدولة التونسية آنذاك امتلكت رؤية حضارية حقيقية، لكان من الممكن أن يتحول الدكتور منصف بن سالم إلى محور مشروع وطني وعربي كبير للنهضة العلمية. فقد كان بالإمكان تأسيس مركز عربي وعالمي للرياضيات والبحث العلمي بقيادته، يستقطب العقول العربية الشابة، ويربط تونس بشبكات البحث الدولية، ويحوّلها إلى فضاء معرفي متقدم في شمال إفريقيا والعالم العربي. لكن النظام الاستبدادي لم يكن يفكر بمنطق المستقبل، بل بمنطق الخوف الأمني الضيق. وهو ما يتواصل اليوم بعد أربعين عاما ولذلك بدّد فرصة تاريخية كان يمكن أن تمنح تونس مكانة علمية عالمية.

إن الدول التي حققت قفزات حضارية كبرى لم تبن نهضتها بالبوليس والسجون، بل ببناء الجامعات ومراكز الأبحاث واحترام العلماء. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والصين الحديثة لم تتقدم لأنها امتلكت أجهزة أمن قوية فقط، بل لأنها أدركت أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان والمعرفة. أما في الحالة التونسية، فقد جرى التعامل مع العلماء بوصفهم عبئًا سياسيًا أو خطرًا محتملًا، لا بوصفهم قوة استراتيجية للأمة. وهكذا دخلت تونس في مفارقة مأساوية: بلد يمتلك كفاءات عالية، لكنه يعجز عن تحويلها إلى قوة تنموية بسبب طبيعة النظام السياسي.

لقد مثّل اضطهاد منصف بن سالم أيضًا صورة رمزية لعلاقة الاستبداد العربي بالعلم. فالأنظمة السلطوية العربية غالبًا ما فضلت "المثقف المروّض" على العالم الحر، وفضّلت خطاب الدعاية على البحث العلمي الجاد. ولذلك بقيت الجامعات العربية في مراتب متأخرة عالميًا، وظلت موازنات البحث العلمي ضعيفة، بينما هاجرت آلاف العقول إلى أوروبا، وأمريكا، وكندا والخليج. إن ما خسرته تونس في شخص منصف بن سالم لا يُقاس فقط بما تعرض له فرد من ظلم، بل بما ضاع على البلاد من إمكانات تاريخية لبناء مشروع علمي حقيقي.

ومن المؤلم أن تونس، التي امتلكت تقاليد تعليمية مهمة منذ الاستقلال، لم تستطع تحويل تلك التقاليد إلى ثورة علمية شاملة. فقد ظل التعليم في كثير من الأحيان أداة لإنتاج الموظفين لا العلماء، بينما جرى خنق المبادرات البحثية المستقلة. وكان من الممكن، لو توفرت الإرادة السياسية، أن تصبح تونس مركزًا إقليميًا للبحث في الرياضيات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلوم التطبيقية، خاصة مع وجود كفاءات مثل منصف بن سالم وغيره من الأساتذة التونسيين اللامعين. غير أن منطق الدولة الأمنية كان أقوى من منطق الدولة العلمية والمعرفية.

لقد كشفت تجربة منصف بن سالم أن الاستبداد لا يدمّر السياسة فقط، بل يدمّر الزمن التاريخي للأمم. فعندما يُهان العلماء ويُدفعون إلى البطالة أو المنفى أو السجن، فإن المجتمع كله يدخل في حالة تعطيل حضاري. إن التعذيب الحقيقي لم يكن موجّهًا لشخص الدكتور منصف بن سالم وحده، بل كان موجّهًا إلى فكرة العلم نفسها، وإلى حلم بناء تونس حديثة قائمة على العقل والإبداع. ولهذا فإن الحديث عن قضيته ليس مجرد استعادة لمظلومية فردية، بل هو نقد لبنية سياسية وثقافية عطّلت إمكانات التقدم لعقود.

ورغم كل ما تعرض له، ظل منصف بن سالم رمزًا لصمود العالم الحر في وجه القمع. فقد أثبتت تجربته أن المعرفة يمكن أن تُحاصر لكنها لا تُهزم، وأن العالم الحقيقي لا يفقد قيمته، حتى لو حاولت السلطة عزله أو تشويهه. وبعد الثورة التونسية عاد اسمه إلى الواجهة بوصفه أحد الوجوه التي دفعت ثمنًا باهظًا من أجل الحرية والكرامة الأكاديمية. غير أن استعادة الاعتبار الرمزي لا تكفي وحدها، إذ يبقى التحدي الأكبر هو بناء نموذج جديد للدولة يجعل من البحث العلمي أولوية وطنية، ويحمي العلماء من هيمنة السياسة والأمن.

إن الدرس العميق الذي تقدمه مأساة منصف بن سالم هو أن الأمم لا تنهض إلا حين تحترم عقولها. فالعالم ليس مجرد موظف في جامعة، بل هو حامل لرؤية مستقبلية يمكن أن تغيّر مصير شعب بأكمله. ولو أن تونس استثمرت في علمائها بدل ملاحقتهم، لكان من الممكن أن تحقق قفزة نوعية في التكنولوجيا والبحث العلمي والتنمية المعرفية. لكن الاستبداد، بطبيعته، يخاف من العقول الحرة لأنه يدرك أن المعرفة هي الطريق الأقصر نحو الحرية. ولذلك فإن تحرير الجامعة والبحث العلمي من كل أشكال الهيمنة السياسية يبقى شرطًا أساسيًا لأي نهضة تونسية أو عربية مستقبلية.

ما اشبه اليوم  بالبارحة وها نحن في الثلث الأخير لسنة 2026 والسجون تعج بالمثقفين والسياسيين وتمارس فنون التنكيل والاضطهاد على العالم والفيلسوف والمصلح الشيخ الجليل راشد الغنوشي. رئيس البرلمان الديمقراطي.

في الختام، تكشف مأساة الدكتور منصف بن سالم أن الاستبداد لا يكتفي بمصادرة الحقوق السياسية وخنق الحريات العامة، بل يمتد أثره إلى تعطيل العقل وإفقار الجامعة وتبديد الثروة العلمية للأوطان. فقد خسرت تونس، حين حاصرت عالمًا من طراز منصف بن سالم ومنعته من التدريس والبحث والسفر، فرصة تحويل كفاءته إلى رافعة لمشروع وطني في الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا. وهكذا غدت محنته عنوانًا لمفارقة مؤلمة: دولة ترفع شعارات الحداثة والتقدم، بينما تعاقب أحد علمائها لأنه تمسّك بحريته الفكرية وكرامته الإنسانية واستقلال موقفه.

إن الوفاء الحقيقي لذكرى منصف بن سالم لا يتحقق بمجرد استعادة مظلوميته أو الاحتفاء الرمزي بصموده، بل باستخلاص الدرس التاريخي الذي تختزنه تجربته: لا نهضة من دون حرية، ولا جامعة من دون استقلال، ولا دولة قوية وهي تخشى علماءها ومثقفيها. ومن ثمّ، فإن بناء تونس المستقبل يقتضي مصالحة الدولة مع المعرفة، وردّ الاعتبار إلى ضحايا الإقصاء الأكاديمي، وحماية الجامعة من التدخل الأمني والسياسي، وجعل الكفاءة معيارًا وحيدًا للتقدير والمسؤولية. فالأوطان التي تحتضن عقولها تصنع مستقبلها، أما التي تطاردها فإنها لا تعاقب أفرادًا فحسب، بل تحكم على أجيال كاملة بتأخر حضاري وليل طويل من التعصب والجهل والجمود.

 رابط الكتاب في موقع الذاكرة للقراءة: https://shorturl.at/9otFR