تواجه تونس اليوم أزمةً تتجاوز تعثّر الحكم أو فشل سلطة بعينها، لتطال الأسس التي تقوم عليها علاقة الدولة بالمجتمع، ومصدر الشرعية، وقواعد إدارة الاختلاف، وتوزيع الحقوق، والثروات، والفرص. فقد كشفت التجارب المتعاقبة، من دولة الحزب الواحد إلى السلطوية الأمنية، ثم إلى الشعبوية الرئاسوية، أن الاستقرار المفروض من أعلى لا يصنع دولةً قوية، وأن اختزال الشعب في صوت واحد وإقصاء المؤسسات الوسيطة لا يؤديان إلا إلى تفكيك الثقة وإضعاف المجال السياسي. لذلك لن تكون نهاية الانقلاب، في حدّ ذاتها، نهايةً للأزمة، ما لم تتحول إلى لحظة تأسيسية تعيد بناء الدولة على الرضا، والشرعية، والمشاركة، والمساءلة.
ومن هنا تبرز ضرورة التعاقد الاجتماعي والسياسي باعتباره طريقاً للانتقال من منطق الغلبة والاستئصال إلى منطق الشراكة والاعتراف المتبادل. فالتعاقد المنشود ليس تحالفاً انتخابياً عابراً، ولا مصالحةً فوقية بين الزعامات، ولا عودةً آلية إلى ما قبل 25 جويلية 2021، بل ميثاق وطني جامع يحدّد قواعد المرحلة المقبلة، ويضمن الحريات واستقلال القضاء والتوازن بين السلطات والتداول السلمي، ويربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية. إنه تعاقد يحوّل المواطنين من رعايا أو جماهير للتعبئة إلى مواطنين عضويين وشركاء فعليين في الدولة، ويجعل الاختلاف السياسي مصدراً لإثراء الجماعة الوطنية لا ذريعةً للتخوين والإقصاء.
وفي أوضاع تتّسم بالفوضى السياسية والإحباط الشعبي من حصيلة سبع سنوات من الانقلاب، وما رافقها من اتساع رقعة الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، وارتفاع معدلات البطالة، ونقص المواد الحيوية والأساسية، تبرز الحاجة إلى الانتقال من تشتّت قوى المعارضة وتنازعها إلى بناء تنسيق مسؤول بين الأحزاب الديمقراطية والمنظمات الوطنية ومكوّنات المجتمع المدني. ولا ينبغي أن يكون هذا التنسيق مجرد تحالف ظرفي ضد السلطة القائمة، بل مساراً تشاركياً لإنتاج الحلول وصياغة أرضية للحد الأدنى المشترك، تُحدّد أولويات الإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي، وضمانات استعادة الديمقراطية، وقواعد إدارة المرحلة الانتقالية، بما يعيد الثقة إلى المواطنين ويحوّل المعارضة من قوة احتجاج ورفض إلى قوة اقتراح وبناء قادرة على تقديم أفق وطني جامع.
والتعاقد، في جوهره، هو اتفاق حرّ بين قوى مختلفة على مبادئ وحقوق وواجبات وقواعد مشتركة لتنظيم السلطة وإدارة الخلاف وتحقيق المصلحة العامة. وقد تجلّى في الماضي في صور العهود والمواثيق والأحلاف والدساتير، ثم تطوّر في الفكر الحديث مع نظريات العقد الاجتماعي إلى أساس فلسفي لشرعية الدولة وسيادة الشعب والمواطنة المتساوية. أما في الحاضر، فيتمظهر في الدستور والمؤسسات المنتخبة والحوار الاجتماعي والتوافقات الوطنية والرقابة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. وفي الواقع التونسي الراهن، ينبغي أن يتحول التعاقد إلى ميثاق عملي للإنقاذ الديمقراطي والاجتماعي، يربط استعادة الحريات وسيادة القانون بمعالجة الفقر والبطالة وتدهور الخدمات، ويضمن عدم العودة إلى الاستبداد أو إعادة إنتاج أخطاء الماضي، على قاعدة أن الاختلاف السياسي لا يمنع الشراكة الوطنية، وأن بناء المستقبل مسؤولية جماعية لا تستطيع قوة واحدة احتكارها.
التعاقد الاجتماعي والسياسي
والتعاقد الاجتماعي والسياسي هو اتفاق صريح أو ضمني بين أفراد المجتمع وفئاته ومؤسساته حول القيم والقواعد التي تنظّم العيش المشترك، وتحدّد مصدر السلطة وحدودها، وتوزّع الحقوق، والواجبات، والثروات، والفرص. ولا يعني التعاقد بالضرورة وثيقة قانونية موقَّعة، بل قد يتمثّل في الدستور، والقوانين، والمؤسسات، والأعراف، والتوافقات التاريخية التي تجعل المواطنين يقبلون الدولة بوصفها إطاراً مشتركاً لإدارة مصالحهم وخلافاتهم.
والفرق بين التعاقد الاجتماعي والتعاقد السياسي ان التعاقد الاجتماعي يتعلق بطبيعة العلاقات بين الأفراد والفئات والطبقات، وبقضايا العدالة الاجتماعية والتضامن وتوزيع الثروة والخدمات والحماية الاجتماعية. أمّا التعاقد السياسي فيتعلّق بقواعد الوصول إلى السلطة وممارستها وتداولها ومراقبتها، وبالعلاقة بين الحاكم والمحكوم. ومع ذلك، لا يمكن الفصل بينهما؛ لأن الديمقراطية السياسية تظل هشّة من دون عدالة اجتماعية، كما أن السياسات الاجتماعية تفقد مشروعيتها إذا فُرضت من سلطة استبدادية لا تخضع للمساءلة.
وتقوم فلسفة التعاقد على الانتقال من منطق القوة والغلبة إلى منطق الرضا والشرعية والقانون. فالإنسان لا يعيش في المجتمع تحت سلطة الدولة لمجرد الخوف من العقاب، بل لأنه يفترض أن هذه الدولة تحمي أمنه وحقوقه وكرامته ومصالحه الأساسية. وفي مقابل التزام المواطن بالقانون وأداء الواجبات، تلتزم الدولة بتوفير الأمن والعدل والخدمات وضمان الحريات. ولهذا فإن التعاقد ليس تنازلاً مطلقاً عن الحرية، بل تنظيماً لها حتى تصبح حرية كل فرد قابلة للتعايش مع حرية الآخرين.
لقد ظهرت البدايات البعيدة لفكرة التعاقد في الحضارات القديمة، من خلال العهود والمواثيق والقوانين التي قيّدت جزئياً سلطة الحكام ونظّمت علاقة الجماعة بالسلطة. وقد ناقش السفسطائيون في اليونان مسألة نشأة القانون بالاتفاق، وربط سقراط طاعة القوانين بقبول المواطن العيش داخل المدينة، بينما رأى أفلاطون وأرسطو أن الاجتماع السياسي ضروري لتحقيق الحياة الفاضلة والخير المشترك. لكنها لم تصبح نظرية فلسفية متكاملة إلا مع نشأة الدولة الحديثة والصراع ضد الحكم المطلق في أوروبا.
ويُعدّ هوبز من أبرز مؤسسي نظرية العقد الاجتماعي الحديثة. فقد افترض أن البشر في “حالة الطبيعة” كانوا يعيشون في خوف وصراع دائم، وأن حاجتهم إلى الأمن دفعتهم إلى التنازل عن جانب واسع من حريتهم لسلطة قوية تمنع الحرب الأهلية. ولذلك أعطى هوبز الأولوية للاستقرار ووحدة السيادة، وجعل العقد قائماً بين الأفراد أنفسهم لتأسيس الدولة، لا بين الشعب والحاكم. وتكمن قوة نظريته في إبراز ضرورة الدولة، لكن ضعفها يتمثّل في احتمال تحويل الأمن إلى مبرر للسلطة المطلقة.
وقدم جون لوك تصوراً أكثر ليبرالية، إذ رأى أن الإنسان يمتلك قبل قيام الدولة حقوقاً طبيعية في الحياة والحرية والملكية. وينشئ الناس الحكومة لحماية هذه الحقوق، ولا يتنازلون لها عنها بصورة نهائية. ومن ثمّ تكون السلطة مشروعة بمقدار احترامها للقانون ورضا المحكومين، ويصبح من حق الشعب مقاومتها أو تغييرها إذا تحولت إلى طغيان. وقد أسهمت أفكار لوك في تأسيس الديمقراطية الدستورية، والفصل بين السلطات، ومبدأ الحكومة المحدودة.
فيما جعل جان جاك روسو السيادة للشعب، واعتبر أن العقد الاجتماعي يحوّل الأفراد من ذوات متفرقة إلى جماعة سياسية تمتلك "إرادة عامة". ولا تعني الإرادة العامة مجرد مجموع المصالح الخاصة أو رأي الأغلبية العابر، بل ما يحقّق المصلحة المشتركة والمساواة المدنية. فالإنسان، بحسب روسو، لا يفقد حريته داخل الدولة المشروعة، وإنما ينتقل من الحرية الطبيعية غير المنظمة إلى الحرية المدنية التي يشارك بنفسه في وضع قوانينها. غير أن مفهوم الإرادة العامة قد يتعرض للتوظيف السلطوي إذا ادّعت جهة واحدة أنها تحتكر التعبير عنها.
ربط كانط وهيغل والفكر الديمقراطي المعاصر العقد بفكرة العقل العمومي وكرامة الإنسان، ولم يعدّه واقعة تاريخية، بل معياراً أخلاقياً لاختبار عدالة القوانين: هل يمكن أن يقبل بها المواطنون بوصفهم أحراراً ومتساوين؟ أما هيغل فانتقد اختزال الدولة في عقد بين أفراد، ورآها مؤسسة تاريخية وأخلاقية تتجاوز المصالح الخاصة. وفي الفكر المعاصر أعاد جون رولز بناء التعاقد على أساس العدالة والإنصاف، بينما ركّز يورغن هابرماس على الحوار العمومي والتواصل الحر بوصفهما مصدرين للشرعية الديمقراطية.
التعاقد في الجذور العربية الإسلامية
لم يتبلور في التراث العربي الإسلامي مفهوم العقد الاجتماعي بالمصطلح الحديث، لكن ظهرت مفاهيم ووثائق ذات مضمون تعاقدي، مثل الشورى والبيعة والعهد والأمان، والصلح، والمصلحة، والعدل.
وتمثل صحيفة المدينة نموذجاً مبكراً وتجليا ناصعا لتنظيم العلاقة بين جماعات دينية وقبلية مختلفة داخل جماعة سياسية واحدة، إذ حدّدت بعض الحقوق والواجبات وقواعد الدفاع المشترك وتسوية النزاعات. كما حملت بيعة العقبة والبيعة السياسية معنى الرضا والالتزام المتبادل، وإن ظل التطبيق التاريخي بعد الدولة النموذجية في جمهورية الرسول متفاوتاً بين الاختيار والتغلب والوراثة.
وبالنسبة لفلاسفة المجال العربي الإسلامي، ناقش الفارابي الاجتماع السياسي من خلال مفهوم "المدينة الفاضلة" التي تتعاون أجزاؤها على بلوغ السعادة، وربط الماوردي الإمامة بحفظ الدين وسياسة الدنيا، بينما حاول الجويني معالجة شروط السلطة في أوقات الاستقرار والأزمات. وأبرز ابن خلدون دور العصبية في نشأة الدولة، وبيّن أن الظلم والترف وفساد الجباية تقوّض العمران والثقة والسلطة. ورغم أن هؤلاء لم يصوغوا عقداً اجتماعياً بالمعنى الليبرالي الحديث، فإن أعمالهم تضم أسئلة جوهرية عن الشرعية والطاعة والعدل والمصلحة وحدود الحكم.
وأعاد الفكر الإصلاحي العربي الحديث: طرح العلاقة بين الأمة والدولة والحرية والشورى والدستور ممثلا في كل من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وعلي عبد الرازق. وتطلع خير الدين باشا إلى بناء المؤسسات المقيدة للاستبداد، واعتبر الكواكبي الاستبداد أصل الفساد السياسي والاجتماعي، بينما فتح علي عبد الرازق النقاش حول مدنية الحكم وعدم وجود نموذج سياسي ديني واحد ملزم. وفي الفكر المعاصر تناول محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وراشد الغنوشي ومحمد عابد الأنصاري وعزمي بشارة، من زوايا مختلفة، قضايا الدولة والمواطنة والديمقراطية والعلمانية والاعتراف بالتعدد.
فما الذي يمنع بناء التعاقد؟ تعجز المجتمعات عن بناء عقد مستقر عندما تنعدم الثقة بين الدولة والمواطنين وبين الفئات الاجتماعية نفسها، أو حين تحتكر جماعة واحدة تعريف الوطن والهوية والمصلحة العامة. كما يعرقل التعاقدَ الاستبدادُ، والفساد، والمحسوبية، والتفاوت الجهوي والطبقي، وضعف استقلال القضاء، وتسييس الإدارة والأمن، وغياب التداول السلمي على السلطة. ويزداد الانقسام عندما تُحوَّل الاختلافات الفكرية والدينية واللغوية والعرقية إلى صراعات وجودية يستحيل معها الاعتراف المتبادل.
ولا يكفي وجود دستور متقدم في ظل الأزمة الاقتصادية والثقافية للتعاقد ،و إذا شعر المواطن بأن الدولة لا توفر له الحد الأدنى من الكرامة والعمل والتعليم والصحة. فالفقر والبطالة والاحتكار والاقتصاد الريعي تجعل التعاقد القانوني شكلياً، وتُنتج شعوراً بأن المؤسسات تخدم النخب النافذة وحدها. كما تضعف التعاقدَ ثقافةُ التخوين والعنف الرمزي، وانتشار الأخبار الزائفة، وتدهور التعليم والإعلام، وغياب الذاكرة المشتركة. لذلك يحتاج العقد إلى قاعدة مادية عادلة وإلى ثقافة مدنية تعترف بالاختلاف.
آليات بناء التعاقد ودعمه
يبدأ البناء بحوار وطني تعددي يضم الأحزاب والنقابات والمنظمات المدنية والنساء والشباب والمناطق المهمشة، وينتهي إلى خيارات سياسية واستراتيجية تتجسد في دستور توافقي يضمن الحقوق ويفصل بين السلطات. ويحتاج ذلك إلى انتخابات نزيهة، ومحكمة دستورية مستقلة، وقضاء عادل، وإدارة محايدة، وإعلام حر، وحوكمة شفافة، ولا مركزية فعلية. كما ينبغي إبرام عقد اقتصادي واجتماعي يوازن بين حرية المبادرة والعدالة في الضرائب والأجور والخدمات، مع اعتماد آليات مستمرة للتفاوض وتسوية النزاعات بعيداً عن الإقصاء والعنف.
لا يُصان التعاقد بمجرد توقيع وثيقة تأسيسية، بل بتحويله إلى ممارسة يومية قابلة للمراجعة والتجديد. ويتطلب استمراره تربية مدنية، وثقافة دستورية، ومحاسبة دورية للحكام، ومؤسسات تمنع احتكار السلطة والثروة والمعلومة، وضمان مشاركة المواطنين في القرارات المحلية والوطنية. ويقوى العقد عندما يشعر الخاسر السياسي بأن حقوقه مصونة، وتشعر الأقلية بأنها شريك كامل، ويثق المواطن بأن القانون يطبق على الجميع. وهكذا يصبح التعاقد مصدر قوة للدولة؛ لأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على الخوف والصمت، بل على العدالة والثقة والقبول المتبادل.
تقاليد التعاقد في النظام السياسي التونسي
لا يمكن وصف أنظمة الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وقيس سعيّد بأنها أنظمة تعاقدية مكتملة بالمعنى الديمقراطي؛ لأن التعاقد السياسي الحقيقي يفترض حرية المواطنين، وتعدد القوى، والتوازن بين السلطات، والمشاركة في وضع الدستور، وإمكان محاسبة الحكّام وتداول السلطة. غير أنّ الأنظمة الثلاثة أقامت، بدرجات وصيغ مختلفة، ما يمكن تسميته «تعاقداً سلطوياً ضمنياً»: تمنح الدولة بمقتضاه الأمن أو التعليم أو الرعاية الاجتماعية أو بعض أشكال الاستقرار، مقابل قبول المجتمع بتقييد المشاركة السياسية واحتكار القرار. ولذلك ينبغي التمييز بين العقد الديمقراطي القائم على الإرادة الحرة، والمقايضة السلطوية التي تحدد السلطة شروطها من أعلى.
قام نظام بورقيبة على تعاقد تحديثي أبوي تمحور حول بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال و توحيد المؤسسات، وتعميم التعليم، وتطوير الصحة، وإصدار مجلة الأحوال الشخصية، وتوسيع الطبقة الوسطى، وبناء إدارة مركزية حديثة. وفي مقابل هذه المكاسب، طُلب من المجتمع التسليم بقيادة الحزب الدستوري والرئيس باعتبارهما المعبّرين الوحيدين عن الإرادة الوطنية. كان التعاقد اجتماعياً وتنموياً بدرجة متوسطة، لكنه كان سياسياً ضعيفاً؛ إذ تحولت الشرعية التحريرية تدريجياً إلى حكم الحزب الواحد، ثم إلى رئاسة ملكية مدى الحياة، مع التضييق على المعارضة والنقابات وحرية الصحافة. ولذلك يصح وصف الدولة البورقيبية بأنها «دولة رعاية سلطوية وتحديث من أعلى»، لا دولة تعاقد ديمقراطي متوازن، وهو ما ينسجم مع توصيف تونس في الأدبيات السياسية بأنها نموذج لـدولة الرفاه السلطوية.
أما نظام بن علي فقد بدأ بمحاولة تأسيس تعاقد سياسي معلن عبر بيان السابع من نوفمبر 1987، وإلغاء الرئاسة مدى الحياة، وإبرام «الميثاق الوطني» سنة 1988 بمشاركة قوى سياسية واجتماعية مختلفة. وقد أوحت هذه المرحلة بإمكان الانتقال إلى التعددية واحترام حقوق الإنسان، لكن الميثاق لم يتحول إلى قواعد دستورية ملزمة ولا إلى توزيع فعلي للسلطة؛ بل أصبح أداة لاستيعاب النخب قبل إعادة إحكام سيطرة الحزب الحاكم والأجهزة الأمنية. وتشير الدراسات السياسية المنشورة إلى أن النظام فاوض بالفعل حول ميثاق وطني مع القوى السياسية والاجتماعية، قبل أن تطغى عليه آليات استثناء الإسلاميين واستهدافهم بالقمع والاقصاء واحتواء بقية المكونات السياسية والمدنية تحت ذريعة استراتيجية بوليسية مخاتلة تقضي ببناء شكل هجين لسياسة ديمقراطية يستثنى منها الإسلاميون. وهو قبله شق من اليسار الماركسي التقليدي ووضع نفسه تحت ذمة نلك الاستراتيجية فيما رفضه شق اخر من اليسار الديمقراطي وطيف من الليبراليين والحقوقيين. وهو ما اشر الى درجة من عدم النضج وقصر النظر في مستوى الوعي التعاقدي وشروطه ولوازمه.
استند التعاقد الضمني في عهد بن علي إلى معادلة «الاستقرار الشكلي والتنمية المشوهة والاستهلاك مقابل صمت سياسي طان اقرب الى صمت المقابر.. فقد حافظ النظام على مجانية نسبية للتعليم والصحة، ودعم المواد الأساسية، وشجع الاستثمار والسياحة، وقدم نفسه ضامناً للأمن والحداثة، لكنه ربط الحصول على الفرص والامتيازات بشبكات الولاء والمحسوبية. ومع اتساع الفساد والبطالة والتفاوت الجهوي وتغوّل العائلة الحاكمة، فقدت هذه المقايضة قدرتها على إنتاج الرضا، فانكشف التباعد بين خطاب «المعجزة الاقتصادية» وواقع الإقصاء الاجتماعي والسياسي. ولذلك كانت درجة التعاقد الاجتماعي في هذا العهد محدودة وهشة، بينما كان التعاقد السياسي شكلياً؛ إذ قامت العلاقة فعلياً على الخوف والمراقبة والمنافع الزبونية، أي على «الولاء مقابل الحماية»، وهو ما انتهى بانفجار الثورة.
وفي نفس الفترة النوفمبرية مثّلت حركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، التي تشكّلت في تونس سنة 2005، تجربة تعاقدية سياسية ومدنية رائدة؛ إذ نجحت في جمع تيارات ظلّت لعقود متباعدة أو متصارعة، من إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين ومستقلين ومدافعين عن حقوق الإنسان، حول أرضية دنيا مشتركة لمواجهة الاستبداد. ولم يكن هذا التعاقد قائماً على إلغاء الاختلافات الفكرية أو فرض هوية أيديولوجية موحّدة، بل على إدارة التعدد بالحوار والاعتراف المتبادل، وتقديم الحريات العامة واستقلال القضاء وحرية الإعلام والتنظم السياسي والعفو عن المساجين السياسيين على الصراعات العقائدية. كما سمحت حوارات 18 أكتوبر بصياغة تفاهمات مهمة بشأن العلاقة بين الدين والدولة، والمساواة بين النساء والرجال، وحرية الضمير، والتداول السلمي على السلطة، وبذلك تحولت الحركة من تحالف احتجاجي ظرفي إلى مختبر مصغّر للتوافق الديمقراطي.
وقد أسست هذه التجربة، رغم محدودية امتدادها الشعبي والتنظيمي، لفكرة الائتلاف الوطني القائم على الحد الأدنى الديمقراطي، ومهّدت سياسياً وثقافياً لثورة 17 ديسمبر 2010–14 جانفي 2011؛ لأنها كسرت منطق الاستئصال المتبادل، وراكمت الثقة بين عائلات المعارضة، وأثبتت إمكان العمل المشترك ضد الاستبداد من دون اشتراط التطابق الفكري. وأسهمت شبكاتها الحقوقية والسياسية في نقل مطالب الحرية والكرامة من دوائر النخب إلى المجال العام، كما ظهرت آثارها بعد الثورة في منطق التوافق وصياغة دستور 2014 وبناء تحالفات عابرة للأيديولوجيات. وهو ما جعل من حركة 18 أكتوبر سبباً شرعيا واستراتيجيا ممهدا للثورة التي فجّرتها المظالم الاجتماعية والجهوية؛ ووفرت حركة 18 اكتوبر جانباً من خبرات خطابها السياسي وأخلاقياتها التعاقدية، لتقدم نموذجاً مبكراً لائتلاف وطني يستطيع تحويل التعدد من مصدر صراع إلى قوة مشتركة لبناء الديمقراطية.
وصل قيس سعيّد إلى الرئاسة سنة 2019 بواسطة انتخابات تنافسية، وحمل خطابه الأول ملامح تعاقد احتجاجي مع قطاعات فقدت الثقة في الأحزاب ومؤسسات الانتقال الديمقراطي تحت عنوان مقاومة الفساد، واستعادة السيادة الشعبية، وإعادة السلطة إلى الجهات والمجتمعات المحلية. لكن إجراءات 25 جويلية 2021 الانقلابية، وما ترتب عنها من حل للبرلمان وإعادة تشكيل المؤسسات وصياغة دستور 2022، نقلت النظام من التعاقد الانتخابي بمرجعية دستور 2014 إلى شرعية رئاسوية مباشرة تتركز حول شخص الرئيس. وقد رسّخ دستور2022 الشخصي لقيس سعيد سلطة تنفيذية شديدة التركّز وقلّص ثقل البرلمان والأحزاب؛ كما أُقرّ في استفتاء لم تتجاوز المشاركة فيه نحو 30%، بما يضعف دلالته بوصفه عقداً وطنياً جامعاً، حتى وإن حاز موافقة أغلبية المشاركين وفق العرض الدستوري المقارن.
ويمكن، في النهاية، ترتيب الأنظمة الثلاثة ضمن أشكال مختلفة من «التعاقد السلطوي الناقص»: عقد تحديثي أبوي عند بورقيبة، وعقد أمني–استهلاكي وزبوني عند بن علي، وعقد رئاسوي شعبوي عند قيس سعيّد يقوم على تفويض صوري مزعوم ومباشر مفترض بين «الشعب» و«الرئيس» مع تهميش الوسائط الحزبية والمؤسساتية. وتظل درجة التعاقد الديمقراطي ضعيفة في التجارب الثلاث؛ لأن الدولة هي التي صاغت مضمون العقد واحتكرت تفسيره وتعديله. أما التعاقد الوطني الحقيقي الذي تحتاجه تونس، فينبغي أن يكون مكتوباً وتشاركياً وقابلاً للمحاسبة، وأن يجمع بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، واستقلال القضاء، والتوازن بين السلطات، والتنمية الجهوية، وضمان الحقوق؛ فالعقد لا يصنعه رضا ظرفي أو استفتاء منفرد، بل تؤسسه مشاركة واسعة ومتوازنة تحوّل المواطنين من رعايا أو جمهور مؤيد إلى شركاء فعليين في الدولة.
فلم تكن الأنظمة الثلاثة تعاقدية بالمعنى الديمقراطي المكتمل. كان نظام بورقيبة أقرب إلى عقد التحديث وبناء دولة الحزب الواحد والزعيم الاوحد؛ ونظام بن علي إلى عقد امني بوليسي لفرض القيضة الأمنية الضاربة والاستقرار والاستهلاك؛ وانتهى نظام قيس سعيد إلى تفويض صوري مزعوم ومباشر تحت ذريعة استعادة الدولة. غير أن الأنظمة الثلاثة اشتركت، بدرجات متفاوتة، في صياغة العقد من أعلى، وفي تغليب الدولة أو الرئيس على المجتمع والمؤسسات الوسيطة.
كما أن أفضلية نظام بورقيبة الاجتماعية لا تلغي سلطويته السياسية، ووجود ميثاق وطني في بداية عهد بن علي لا يلغي تحوله إلى دولة بوليسية، والشرعية الانتخابية الأصلية لقيس سعيد لا تكفي للحكم بأن نظامه تعاقدي بعد تغيير قواعد الحكم بصورة أحادية. فالعقد الحقيقي لا يُقاس بالنصوص والوعود فقط، بل بحرية المشاركة، وتوازن السلطات، وعدالة توزيع الموارد، وحق المعارضة، وإمكان سحب الثقة من الحاكم بوسائل دستورية سلمية.
ومن ثم فإن تونس لم تعرف عقداً سياسياً واجتماعياً قريباً من المعنى التوافقي الكامل إلا في المسار الذي أعقب ثورة 2011 وبلغ ذروته في دستور 2014، لأنه نتج عن مجلس تأسيسي منتخب ومفاوضات وتنازلات متبادلة واعتراف دستوري بالمعارضة والحقوق والحريات. فقد نص الدستور صراحة على أن المعارضة مكوّن أساسي في البرلمان، وعلى الانتخابات الحرة والشفافة. إلا أن هذا العقد أخفق في بناء مقابل اقتصادي واجتماعي مقنع، فضعفت شرعيته ومهّد عجزه لصعود البديل الشعبوي بعد 2019.
عشرية الثورة والتعاقد
يمكن اعتبار النظام السياسي التونسي خلال عشرية الثورة، الممتدة من 2011 إلى 2021، تجربةً تعاقديةً جزئية وغير مكتملة. فقد قام النظام الجديد على شرعية انتخابية ودستورية، وعلى الاعتراف بالتعددية الحزبية وحرية التنظيم والتداول السلمي على السلطة، بدل احتكار الدولة من حزب واحد أو شخص واحد. وتجسّد البعد التعاقدي بصورة خاصة في المجلس الوطني التأسيسي، وفي صياغة دستور 2014، حيث شاركت قوى سياسية وفكرية متعارضة في بناء قواعد مشتركة للدولة؛ وهو ما مثّل انتقالًا من منطق الإقصاء إلى منطق التفاوض والقبول المتبادل، وإن ظل هذا الانتقال هشًّا ومتفاوتًا.
وتمثلت أبرز ملامح التعاقد السياسي في التوافق بين حركة النهضة وخصومها، وخاصة بعد أزمة 2013، وفي الحوار الوطني الذي رعته منظمات المجتمع المدني وانتهى إلى تسليم حكومة الترويكا السلطة لحكومة مستقلة والإعداد لانتخابات 2014. كما ظهر هذا التعاقد في التسويات الدستورية المتعلقة بهوية الدولة، ومدنية النظام السياسي، والحريات العامة، وحقوق المرأة، والفصل بين السلطات. غير أن هذا التوافق كان في جانب كبير منه تعاقدًا بين النخب والأحزاب، ولم يتحول إلى عقد اجتماعي واقتصادي شامل يربط الديمقراطية بتحسين ظروف العيش، والعدالة بين الجهات، والتشغيل، وإصلاح الإدارة ومقاومة الفساد.
تجسدت أهم ملامح التعاقد السياسي في دستور 27 جانفي 2014، الذي كان ثمرة مفاوضات وتسويات طويلة. فقد جمع الدستور بين هوية البلاد العربية الإسلامية والطابع المدني للدولة، وبين السيادة الشعبية وحقوق الإنسان، كما أقرّ حرية الضمير والمساواة والانتخابات والتداول السلمي على السلطة. ولذلك يمكن اعتبار دستور 2014 أعلى لحظة تعاقدية في العشرية؛ لأنه لم يكن دستور طرف منتصر، بل وثيقة تسوية تاريخية اشتركت في صياغتها تيارات إسلامية ويسارية وليبرالية، وقومية ونقابية وحقوقية.
تمثلت إحدى أهم نقائص التجربة في الخلط بين التعاقد والتوافق والمحاصصة. فالتعاقد الديمقراطي يقتضي قواعد واضحة للمسؤولية والمحاسبة، بينما أدى البحث المستمر عن التوافق إلى إضعاف المعارضة والرقابة وإلى توزيع المناصب على أساس التوازنات الحزبية. كما ساعدت كثرة الأحزاب والانشقاقات والسياحة البرلمانية وتبدل التحالفات على إنتاج حكومات قصيرة العمر وغير متجانسة. وبدل أن يكون التوافق وسيلة مؤقتة لحماية الانتقال، تحول أحيانًا إلى غطاء لتجنب القرارات الصعبة وتأجيل الإصلاحات.
ومثّلت سياسات الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسي، خلال السنوات الأخيرة من التجربة الديمقراطية، اتجاهاً صدامياً رافضاً لمنطق التعاقد والتسويات الضرورية لبناء الديمقراطية، إذ قام خطابه على نزع الشرعية عن خصومه، ولا سيما حركة النهضة، وعلى تعطيل أعمال البرلمان وتحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة وجودية تستبعد إمكان الحوار أو بناء الحد الأدنى من الإجماع الوطني. وقد أسهم هذا النهج، موضوعياً، في إضعاف المؤسسة التشريعية وتشويه صورتها لدى الرأي العام، وتغذية المناخ الذي استُخدم لاحقاً لتبرير إجراءات قيس سعيّد في 25 جويلية 2021. كما ارتبط هذا المسار، وفق اتهامات وتحليلات سياسية متداولة تحتاج إلى إثباتات مستقلة، بتأثير مراكز نفوذ أمنية وإقليمية خليجية معادية لمسارات الربيع العربي ولإدماج الإسلاميين في الحياة الديمقراطية؛ غير أن المسؤولية عن انهيار التعاقد لا تُختزل في حزب واحد، بل تتوزع أيضاً على رئاسة الجمهورية، والأحزاب الحاكمة والمعارضة، والنخب التي عجزت عن حماية البرلمان وإصلاحه، والقوى التي فضّلت الإقصاء والاستئصال على التنافس الديمقراطي، فمهّدت مجتمعةً للانقلاب على الدستور وتقويض مؤسسات الانتقال الديمقراطي.
لذلك يمكن تقدير درجة التعاقد خلال عشرية الثورة بأنها متوسطة سياسيًا وضعيفة اجتماعيًا واقتصاديًا. فقد نجحت التجربة نسبيًا في إنتاج دستور توافقي، وتنظيم انتخابات تنافسية، وإدارة الخلاف دون حرب أهلية، لكنها أخفقت في بناء مؤسسات دستورية مكتملة، وعلى رأسها المحكمة الدستورية، وفي تحويل التوافقات الظرفية إلى قواعد حكم مستقرة. كما أدت المحاصصة الحزبية، وتشتت المسؤولية، وضعف الأداء الحكومي، وتفاقم البطالة والفقر والتفاوت الجهوي إلى تآكل الثقة الشعبية. وبذلك كانت عشرية الثورة محاولة جادة لبناء تعاقد ديمقراطي، لكنها بقيت عقدًا سياسيًا نخبويًا ناقصًا، لم يترسخ في عقد اجتماعي تنموي يحمي الديمقراطية ويمنع الانقلاب عليها.
نحو عقد اجتماعي جديد
إنّ انتهاء مرحلة قيس سعيّد، مهما كانت طريقة هذا الانتهاء، لن يعني تلقائيًا انتهاء الأزمة التونسية؛ لأنّ الأزمة أعمق من شخص الرئيس، وترتبط باختلال بنيوي في الدولة، وضعف المؤسسات، وفشل النخب في إدارة الانتقال الديمقراطي، وتفاقم التفاوت الاجتماعي والجهوي. كما أنّ دستور 2022 عزّز مركزية السلطة الرئاسية وأضعف التوازن بين المؤسسات مقارنة بدستور 2014، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد قيس سعيّد معرضة لخطر الفراغ أو الصراع على الشرعية إذا لم تُسبق بتفاهم وطني واضح. لذلك ينبغي أن يكون الهدف الانتقال من حكم الفرد إلى حكم المؤسسات، لا استبدال فرد بآخر، ومن الصراع على امتلاك الدولة إلى التوافق على قواعد إدارتها.
الشرط الأول لبناء التعاقد الجديد هو الاتفاق على قاموس سياسي مشترك ينهي «فوضى المفاهيم». فقد استُعملت مفاهيم الشعب والسيادة والثورة والديمقراطية والشرعية والتطهير والخيانة استعمالًا إقصائيًا، حتى صار كل طرف يمنح نفسه حق تمثيل الشعب ونزع الوطنية عن مخالفيه. ويقتضي التعاقد تعريف الشعب باعتباره مجموع المواطنين على اختلاف توجهاتهم، والسيادة باعتبارها سلطة دستورية مقيدة بالقانون، والديمقراطية باعتبارها تداولًا سلميًا ورقابةً ومساءلةً، لا مجرد انتخابات أو استفتاءات. كما يجب التمييز بين الدولة والنظام، وبين المعارضة والتآمر، وبين النقد والتشهير، وبين المحاسبة والانتقام.
الشرط الثاني هو إطلاق حوار وطني شامل لا يقوم على المحاصصة بين الأحزاب القديمة، ولا على استبعاد الإسلاميين أو اليسار أو الليبراليين والمكونات المدنية للمجتمع. ويجب أن يضم الحوار الأحزاب والمنظمات الوطنية، ومنظمات المحامين والصحفيين وحقوق الإنسان، إلى جانب الشباب والنساء والجهات الداخلية والخبراء وممثلي المؤسسات الاقتصادية. ولا تكون غاية الحوار توزيع المناصب، بل إنتاج «كلمة سواء وطنية» تحدد قواعد الانتقال ومواعيده وضماناته، مع الالتزام المسبق بنبذ العنف والإقصاء واحتكار الحديث باسم الشعب.
ويتمثل الشرط الثالث في اتخاذ إجراءات فورية لبناء الثقة، تبدأ بإطلاق سراح المساجين السياسيين ومعتقلي الرأي، ومراجعة المحاكمات التي افتقرت إلى ضمانات العدالة، وإيقاف توظيف القضاء والقوانين الاستثنائية في تصفية الخصومات. وتزداد أهمية ذلك في ظل ما وثقته تقارير حقوقية من توسع الاعتقال التعسفي ومحاكمة معارضين وصحفيين وناشطين، وتراجع استقلال القضاء والمجال المدني في السنوات الأخيرة. غير أنّ المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب؛ فكل اتهام بفساد أو عنف أو انتهاك يجب أن يُعرض على قضاء مستقل ضمن سلطة قضائية عادلة.
أما المضمون الدستوري للتعاقد، فينبغي أن يقوم على جمهورية مدنية ديمقراطية اجتماعية، تفصل بين السلطات وتمنع جمعها بيد شخص واحد. ويقتضي ذلك مراجعة دستور 2022 من خلال مسار سياسي تأسيسي تشاركي، لا عبر صياغة مغلقة أو استفتاء متعجل، مع تحديد صلاحيات رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان، وإقرار آليات فعلية للرقابة والعزل والمساءلة. كما يجب إنشاء محكمة دستورية مستقلة، وإعادة بناء المجلس الأعلى للقضاء، وتحصين الهيئات الانتخابية والرقابية والإعلامية من سيطرة السلطة التنفيذية؛ فالاستقرار الحقيقي ينتج من توازن المؤسسات لا من إطلاق يد الحاكم.
ويتضمن التعاقد ايضا نظامًا انتخابيًا يحقق التمثيل والاستقرار معًا، ويمنع التشتت البرلماني والمال السياسي والتمويل الخارجي والزبونية المحلية. ويمكن اعتماد نظام مختلط يجمع بين القائمات والدوائر، مع عتبة انتخابية معتدلة، وشفافية صارمة للتمويل، وضمان تمثيل النساء والشباب والجهات. وينبغي أن يُستكمل ذلك بقانون ديمقراطي للأحزاب يلزمها بالانتخابات الداخلية، والتداول على القيادة، ونشر حساباتها، وفصل نشاطها السياسي عن الجمعيات الخيرية وأجهزة الدولة. فالديمقراطية لا تُبنى بمؤسسات الدولة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى أحزاب ديمقراطية من داخلها.
ولا يمكن لأي تعاقد سياسي أن يصمد من دون تعاقد اجتماعي واقتصادي يعيد الاعتبار لمطالب الثورة: الشغل والحرية والكرامة الوطنية. ويتطلب ذلك الاتفاق على برنامج إنقاذ يوازن بين إصلاح المالية العمومية وحماية الفئات الهشة، وبين دعم الاستثمار ومقاومة الاحتكار والاقتصاد الريعي والتهرب الضريبي. كما ينبغي توجيه الموارد إلى الصحة والتعليم والنقل والزراعة والصناعات المحلية والاقتصاد الرقمي، واعتماد تمييز تنموي إيجابي لفائدة الجهات الداخلية. فالديمقراطية التي لا تقلص البطالة والفقر والتفاوت ستظل هشة، كما أن العدالة الاجتماعية من دون حرية ومساءلة قد تتحول إلى شعار يبرر التسلط.
ويجب أن يشمل التعاقد تحديد موقع مؤسسات القوة داخل الجمهورية: فالأمن جمهوري يحمي المواطن والقانون، والجيش مؤسسة وطنية محايدة لا تتدخل في التنافس الحزبي، مع تغيير العقيدة الامية والعسكرية من عقيدة سلطوية الى عقيدة جمهورية ديمقراطية في حدمة الوطن والمواطنين والشعب. وتحويل الإدارة الى مرفق عام لا جهاز ولاء سياسي. ويُستوجب إخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة القانونية والقضائية والبرلمانية، مع حمايتها في الوقت نفسه مما يسمى بالنقابات الأمنية المتصلة بالتوظيف الحزبي وحملات التشويه. كما ينبغي ضمان استقلال الإعلام وحق النفاذ إلى المعلومة، وإلغاء النصوص الفضفاضة التي تحول التعبير والنقد إلى جرائم، لأن المجال العام الحر يمثل صمام الأمان الذي يسمح بكشف الأخطاء قبل تحولها إلى أزمات وانفجارات.
ويحتاج المجتمع التونسي أيضًا إلى مصالحة تاريخية لا تقوم على النسيان، بل على الحقيقة والاعتراف والإنصاف. ويجب أن تشمل انتهاكات دولة الاستقلال وعهد بن علي وعشرية الانتقال ومرحلة حكم الانقلاب بعد 25 جولية2021، من دون انتقائية حزبية أو ثأر أيديولوجي. ويمكن إنشاء هيئة مستقلة ومحددة المدة لتوثيق الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا، واقتراح الإصلاحات المؤسسية، على ألا تتحول العدالة الانتقالية إلى محكمة للهوية السياسية. والمبدأ الحاكم هنا هو المسؤولية الفردية لا الإدانة الجماعية: فلا يُحاسب تيار كامل بجريمة فرد، ولا تُعفى شخصية نافذة بسبب انتمائها إلى معسكر سياسي معين.
وأخيرًا، ينبغي ترجمة التعاقد إلى خريطة طريق ملزمة: حكومة كفاءات سياسية محدودة المدة، إجراءات تهدئة وإطلاق للحريات، هيئة مستقلة لمراجعة القواعد الدستورية والانتخابية، حوار اقتصادي واجتماعي، ثم انتخابات حرة تحت رقابة مستقلة. وينبغي أن تُضبط المراحل بآجال واضحة حتى لا تتحول الفترة المؤقتة إلى استثناء دائم جديد. إنّ العقد المنشود ليس تسوية فوقية تعيد إنتاج منظومة ما قبل الثورة، ولا انقلابًا مضادًا ، بل تأسيس لجمهورية تتسع للجميع وتمنع الجميع من احتكارها؛ جمهورية يكون فيها الشعب مصدر الشرعية، والدستور قيدًا على السلطة، والعدالة الاجتماعية مضمونًا للمواطنة، والتداول السلمي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحكم والخروج منه.
أطروحة التعاقد عند حركة النهضة
ما هي أطروحة التعاقد عند حركة النهضة وما هي خياراتها الضرورية وأولويات القرارات والاجراءات التنفيذية في إطار أرضية للحد الأدنى المشترك من اجل استعادة الثقة والوحدة الوطنية ودولة الثورة والعدالة والديمقراطية في اليوم التالي بعد نهاية الانقلاب؟
تقوم أطروحة التعاقد السياسي عند حركة النهضة، في مستواها النظري، على أن المجتمع التونسي مجتمع ذو هوية متحركة غير جامدة، وأنه لا يمكن لأي حزب أو أيديولوجيا أو فئة اجتماعية أن تدّعي تمثيلية منفردة. ولذلك يفترض بناء الدولة الديمقراطية عقداً وطنياً يجمع الإسلاميين والعلمانيين واليساريين والليبراليين والنقابيين حول قواعد مشتركة لإدارة الاختلاف. وقد ظهرت هذه الفكرة في قبول النهضة بدستور 2014، وتنازلها عن الحكم سنة 2014، ثم في سياسة التوافق بعد انتخابات العام نفسه، قبل أن تتحول أحياناً من توافق مؤسساتي إلى تسويات بين القيادات.
ولا توجد، مع ذلك، وثيقة نهضوية واحدة ونهائية تحمل عنوان «نظرية التعاقد السياسي»، بل تتوزع عناصر الأطروحة بين البيان التأسيسي، ووثائق المؤتمرات، وتجربة المجلس الوطني التأسيسي، وخيار التوافق الذي أقرّه المؤتمر العاشر سنة 2016، وبيانات الحركة اللاحقة الداعية إلى الحوار الوطني. وبعد 25 جويلية 2021 دعت النهضة إلى جبهة سياسية وحوار شامل و«أرضية مشتركة» لاستعادة الديمقراطية، كما جدّدت في جانفي 2026 دعوتها إلى حوار وطني غير إقصائي. ومن ثمّ فإن الحديث عن أطروحتها التعاقدية هو تركيب تحليلي لهذه المواقف، وليس نقلاً عن برنامج تفصيلي جاهز لليوم التالي.
ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق هي اعتبار نهاية «الانقلاب» نتيجة لمسار سلمي وقانوني وديمقراطي، لا لحركة انتقامية أو غلبة حزبية جديدة. فاليوم التالي لا ينبغي أن يكون يوم عودة النهضة إلى الحكم، وإنما يوم عودة التونسيين إلى السياسة والقانون والمؤسسات. وتتمثل القاعدة الأولى للعقد في: لا إقصاء للإسلاميين بسبب هويتهم، ولا هيمنة لهم بسبب مظلوميتهم، ولا حماية لأي طرف من المساءلة القانونية العادلة.
يحتاج هذا التصور إلى مراجعة نقدية لتجربة التوافق السابقة. فقد أسهم توافق النهضة ونداء تونس في تجنب الصدام وحماية مؤسسات الدولة فترةً معينة، لكنه تحوّل تدريجياً إلى توافق فوقي لم يستند إلى برنامج اقتصادي واجتماعي أو رقابة شعبية واضحة. وقد أدى خلط المصالحة بالإفلات من المحاسبة، وتغليب بقاء التحالفات على إصلاح الدولة، إلى تآكل الثقة في الأحزاب والديمقراطية. ولذلك يجب أن يكون التعاقد الجديد تعاقداً مؤسساتياً معلناً ومحدداً زمنياً، لا صفقة سرية بين الزعماء.
الخيار الضروري الأول للنهضة هو إعلان التزام واضح بأنها شريك داخل جبهة ديمقراطية وليست قائدة مفترضة لها. ويقتضي ذلك قبول تعدد مراكز المعارضة، واحترام استقلال المجتمع المدني واتحاد الشغل والمنظمات المهنية، والتخلي عن منطق الاستقطاب الثنائي بين النهضة وقيس سعيّد. كما يتطلب الاعتراف بأن أزمة 25 جويلية لم تنشأ من فراغ، بل سبقتها أخطاء في الحكم، وضعف الإنجاز الاقتصادي، وتفكك المنظومة الحزبية، وصراع المؤسسات، وفقدان قطاعات واسعة من المواطنين ثقتها في النخبة السياسية.
الخيار الثاني هو إصلاح الحركة من الداخل قبل مطالبة الدولة بإصلاح نفسها؛ وذلك بعقد مؤتمر ديمقراطي، وتجديد القيادة، واحترام التداول، والفصل الفعلي بين المؤسسات الحزبية والشبكات الدعوية، ونشر التقرير المالي، وتقييم تجربة الحكم من 2011 إلى 2021. وينبغي أن تتضمن المراجعة اعتذاراً سياسياً واضحاً عن الأخطاء، من دون القبول بالاتهامات الجماعية أو الملفات الملفقة. فلا يمكن استعادة ثقة التونسيين بخطاب المظلومية وحده، بل بالمحاسبة الذاتية وتقديم جيل قيادي وبرنامج جديدين.
أما القرار التنفيذي الأول في اليوم التالي فيجب أن يكون إصدار إعلان دستوري توافقي قصير يمنع الفراغ والفوضى، ويحدد السلطات الانتقالية ومدتها وضوابطها. ولا تكون العودة الآلية إلى ما قبل 25 جويلية حلاً كافياً، كما لا يجوز تكريس دستور 2022 بوصفه أمراً نهائياً؛ فقد بلغت المشاركة الرسمية في استفتائه 30.5% فقط. والأصل هو إنشاء مسار دستوري تشاركي يراجع اختلالات دستوري 2014 ، ثم يعرض النص الناتج على استفتاء حر تحت إشراف هيئة مستقلة فعلاً.
القرار الثاني هو تشكيل حكومة إنقاذ وطني صغيرة ومستقلة نسبياً، محددة المهمة والمدة، لا تقوم على تقاسم الوزارات بين الأحزاب. تتولى هذه الحكومة ضمان استمرارية الدولة، وإعداد الانتخابات، ومعالجة الملفات الاقتصادية العاجلة، وتأمين المواد الأساسية، ومراجعة المالية العمومية، وفتح مفاوضات شفافة مع الشركاء الاجتماعيين والدائنين. ومن الأفضل ألا يترشح رئيسها ووزراؤها لأول انتخابات تالية، ضماناً لحياد المرحلة وتقليصاً لشبهة توظيف الدولة.
القرار الثالث هو إطلاق سراح جميع الموقوفين بسبب نشاطهم السياسي أو الإعلامي السلمي، وتمكين كل متهم من محاكمة عادلة، مع مراجعة الأحكام التي شابتها انتهاكات جسيمة للإجراءات. ولا يعني ذلك عفواً عاماً عن جرائم الفساد أو العنف والإرهاب؛ فهذه تخضع للقضاء الطبيعي ولقاعدة المسؤولية الفردية. وتكتسب هذه الأولوية طابعاً استعجالياً في ضوء تقارير حقوقية وثقت اتساع ملاحقة المعارضين والصحفيين والمحامين والتضييق على المجتمع المدني.
القرار الرابع هو إعادة بناء استقلال القضاء، عبر إلغاء كل التدابير التي جعلت المسار المهني للقضاة خاضعاً للسلطة التنفيذية، وتكوين مجلس أعلى مستقل منتخب في معظمه، وإقامة محكمة دستورية ضمن آجال مضبوطة. ويجب أيضاً تحييد النيابة العمومية، وحماية المحاماة، ومنع المحاكمات العسكرية للمدنيين، ومراجعة المرسوم 54 وغيره من النصوص المستعملة لتجريم التعبير. فالدولة الديمقراطية لا تقاس بهوية حكامها فحسب ، بل بقدرة القضاء على محاسبتهم وحماية خصومهم.
القرار الخامس هو اعتماد عدالة انتقالية جديدة لا تعيد إنتاج الانتقام. ويكون ذلك بإنشاء هيئة مستقلة لتقصّي انتهاكات جميع المراحل، بما فيها ما قبل الثورة، وعشرية الانتقال، ومرحلة ما بعد 25 جويلية، مع حفظ الذاكرة وتعويض الضحايا وإصلاح المؤسسات. ولا ينبغي اختزال العدالة الانتقالية في ملفات النهضة أو خصومها، بل يجب أن تشمل التعذيب والقتل والفساد السياسي والانتهاكات الانتخابية والاعتداء على المال العام، مع منع العقاب الجماعي والاجتثاث الوظيفي.
القرار السادس هو إعادة تأسيس المجال الانتخابي: هيئة انتخابات مستقلة ومتوازنة، سجل انتخابي موثوق، تمويل سياسي شفاف، إعلام عمومي محايد، وقانون انتخابي يشجع البرامج والائتلافات ويحفظ تمثيل النساء والشباب والجهات. ويجب تحديد موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية مسبقاً، ومنح فترة معقولة لإعادة بناء الأحزاب. وتكشف نسبة المشاركة التي لم تتجاوز رسمياً 11.22% في تشريعيات 2022 عمق أزمة الشرعية والتمثيل، وهو ما يجعل استعادة ثقة الناخب أهم من مجرد تنظيم اقتراع سريع.
لا يكتمل العقد السياسي من دون عقد اجتماعي واقتصادي؛ فالحرية التي لا تقلص البطالة والفقر والتفاوت الجهوي تظل هشة. ولذلك يجب أن تتقدم الأولويات العاجلة: حماية القدرة الشرائية، وتأمين الغذاء والدواء، وإصلاح المؤسسات العمومية من دون التفريط فيها، وفرض عدالة ضريبية، ومقاومة الاقتصاد الريعي والاحتكار والتهرب، وتمويل المشاريع الصغرى والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. كما ينبغي إعداد برنامج خاص بالمناطق الداخلية يربط الاستثمار بالبنية الأساسية والتعليم والصحة والنقل، لا بمجرد الوعود الانتخابية.
يمكن أن تتجسد أرضية الحد الأدنى في ميثاق من عشر قواعد: مدنية الدولة، وسيادة الشعب، والتداول السلمي، والفصل المتوازن بين السلطات، واستقلال القضاء، وحرية التنظيم والإعلام، وحياد الإدارة والأمن والجيش، ورفض العنف والتكفير والتخوين، والعدالة الاجتماعية، وحماية استقلال القرار الوطني. يوقّع الميثاق الإسلاميون والعلمانيون والنقابيون وسائر الديمقراطيين، وتراقب تنفيذه هيئة وطنية مستقلة، مع نشر جدول الالتزامات والآجال والتقارير الدورية أمام المواطنين.
خلاصة الأمر أن أطروحة النهضة التعاقدية لن تصبح مقنعة إلا إذا انتقلت من «التوافق من أجل المشاركة في السلطة» إلى «التعاقد من أجل تقييد كل سلطة». وفي اليوم الثاني بعد نهاية الحكم الفردي، لا تكون الأولوية لاسترجاع المواقع ولا لإحياء منظومة 2011 كما كانت، بل لحماية السلم الأهلي، وتحرير المجال العام، وترميم القضاء، وتشكيل حكومة إنقاذ، وإطلاق مسار دستوري وانتخابي تشاركي، ثم معالجة الأزمة الاجتماعية. بذلك وحده يمكن بناء «دولة الثورة»: دولة الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، لا دولة المنتصرين الجدد، ويكون للنهضة داخلها حق المشاركة بقدر ما تقبل بالمراجعة والمساءلة والتداول والمساواة مع بقية التونسيين.
ن بناء تونس ما بعد الانقلاب لا يمكن أن يتم بعقلية المنتصر والمهزوم، ولا باستبدال فرد بآخر أو هيمنة بهيمنة جديدة، وإنما بتأسيس عقد وطني يحمي الجميع من الجميع ويمنع احتكار الدولة باسم الشعب، أو الثورة أو الهوية أو الشرعية التاريخية. ويقتضي ذلك حواراً شاملاً، وإجراءات عاجلة لبناء الثقة، وإطلاق الحريات، واستقلال القضاء، ومراجعة الإطار الدستوري والانتخابي، إلى جانب برنامج اقتصادي واجتماعي يعالج الفقر والبطالة والتفاوت بين الجهات. فالديمقراطية التي لا تمنح المواطن أملاً في الكرامة والعدالة تظل ضعيفة، مثلما أن العدالة الاجتماعية التي تُفرض خارج الحرية والمساءلة تتحول بسهولة إلى غطاء للاستبداد.
وهكذا يصبح التعاقد ضرورةً تاريخية لا مجرد خيار سياسي؛ لأنه الإطار الوحيد القادر على تحويل نهاية الانقلاب إلى بداية جمهورية جديدة، بدل أن تكون مدخلاً لدورة أخرى من الانتقام والفوضى والسلطوية. والمطلوب ليس عقداً يجمّد الخلاف، بل عقداً ينظّمه، وليس إجماعاً يلغي التعدد، بل أرضيةً مشتركة تضمن بقاء التنافس داخل حدود الدستور والقانون. عندئذ فقط تستطيع تونس الانتقال من دولة الغلبة إلى جمهورية المواطنة، ومن الشرعية الشخصية إلى شرعية المؤسسات، ومن الاستقرار القائم على الخوف إلى استقرار راسخ تصنعه الحرية والعدالة والثقة المتبادلة.