عن الجهاز السريّ وأحكامه الثقيلة
محاكمة راشد الغنوشي ورفاقه في قضية ما سمي بالجهاز السري، تونس
((ثلاث من كُنَّ فيه كُنَّ عليه: المكرُ والبغيُ والخديعةُ))
1. الأحكام التي صدرت في شأن بعض قيادات حركة النهضة في قضيّة "الجهاز السريّ" لا تختلف في شيء عن الحكم بالإعدام على مواطن بسيط أعزل بسبب تدوينة ليُطَقَ سراحُه بعد أسبوع من التصريح بحكم إعدامه. الجهاز القضائيّ الوظيفيّ الذي أصدر حكم الإعدام هو نفسه الجهاز الذي حكم بهذه الأحكام الثقيلة التي لم نر شبيها بها غير أحكام قضاء دولة الاحتلال على أبناء الشعب الفلسطيني المقاوم.. والمنطق الذي صدر عنه حكمُ الإعدام المذكورُ هو المنطقُ الذي صدرت عنه هذه الأحكام ذاتُهُ. مع هذا المنطق لم يعد من معنى للقاعدة التي تقول "الجزاء من جنس العمل". لقد خرجنا من تلك القاعدة لندخل في قاعدة الذي يقول: جزاؤك ليس من جنس عملك، إنّما جزاؤك من جنس ما أحبّ لك. وأنا أكرهك وأحبّ أن أجزيَك بما أشتهي تصريفا لكُرهي لك. هذا، بصراحة، ليس عدلا.. إنّما هو مكرٌ وبغيٌ وخديعةٌ.
2. عبارة الجهاز السريّ عبارة قديمة مكرورة مستدعاة من سياق قديم هو سياق الحرب التي شنّها النظام التونسي في عهدي بورقيبة وبن علي ضدّ الاتجاه الإسلامي الذي صار حركة النهضة بعد ذلك. لقد كان النظام يعاقب أبناء النهضة بتهمة الانتماء إلى جمعيّة غير مرخّص فيها.. وقتها كان عمل الجماعة سريّا. وقد اختار الوطد أن يكونوا مخبرين ووشاةً، وكان بن علي بارعا في استعمالهم للوصول إلى أبناء الحركة في كلّ زاوية من زوايا البلد. ولقد ظنوا أنهم بوشاياتهم سيتخلّصون من خصم عنيد ظهر عليهم في الجامعة وكسب تعاطف الطلبة معه وإقبالهم عليه بعد أن كان اليسار يصول في الساحة ويجول وحده . لقد كان الوطد الأداة التي استعملها بن علي في برنامج سحق الإسلاميّين، وظلّ يستعملهم طيلة ربع قرن، وهو عمر النظام النوفمبريّ.
غير أنّه لمّا تنفّس الشعب حريته اختار النهضة عليهم وحشرهم في زاويتهم التي تليق بهم. ذاك من مكر التاريخ الذي لم يفهموه.. ولن يفهموه.
حركة النهضة حتّى في زمن العمل السرّيّ لم يكن لها جهازٌ موازٍ. ولكن لأنّ القوم كسالى فقد استوردوا من النظام المصريّ مصطلح "الجهاز الخاص" الذي حوكم فيه جماعة الإخوان المسلمين من قبل جمال عبد الناصر في ستّينات القرن العشرين. استدعاء هذا المصطلح يدل على أنّ ثقافة أعداء النهضة مصنوعة في أروقة مخابرات الأنظمة التسلّطيّة، يعملون مخبرين لها ويعتمدون تقاريرها، بعد ذلك، لإدانة خصوم لهم عجزوا عن منازلتهم في ميادين الشرف والتنافس النزيه.
3. بفضل الثورة والشعب وحدهما خرجت النهضة من أقبية بن علي ونالت حريتها وصارت، بمقتضى القانون، حزبا سياسيا قانونيّا يعمل منتسبوه داخل مقرّاتهم العلنيّة تحت الشمس. ولمّا دخل الحزب في منافسات مع خصوم عديدين كانت له الصدارة في جميع الاستحقاقات الانتخابية التي جرت في الزمن الديمقراطيّ. وحتّى لما تحالف الإنس والجنّ عليه كانت المرتبة الثانية من نصيبه.. كما حصل في انتخابات 2014 .
أمّا طائفة الوطد هؤلاء فقد أعرض الشعب عنهم ولم يمنّ عليهم بأكثر من أكبر البقايا. دخلوا ببقاياهم معها وشاركوها كما لو كانوا ندّا لها غير أنّهم كانوا في الأثناء يكيدون لها ويمكرون للإيقاع بها ووصلوا الليل والنهار وهم يمكرون. لمّا أيقنوا أنّهم لن يجنوا شيئا من منازلتها في ساحات الشرف أخرجوا لها من أدراجهم مواعينهم القديمة يستعينون بها عليها لإخرجها من المشهد إلى الأبد.
بعد أن نحروا الثورة وقطعوا الطريق على الانتقال الديمقراطيّ كان لا بدّ من الخلاص من حزب أثبتت الوقائع أنّه عنصر محوريّ من عناصر العهد الديمقراطيّ لا تكون ديمقراطية إلّا به. لأنّ العلنيَّ قد أظهرها عليهم وعرّى عجزهم أمامها وكشف قصورهم في حضرتها كان لا بدّ لهم من حيلة يحتالونها وهم الذين تسلّلوا منذ بداية الزمن النوفمبري إلى جميع مؤسسات الدولة وجعلوا لهم في كل زاوية خلايا نائمة يثيرونها عند الحاجة.. في هذا السياق جاءت حكاية الجهاز السرّيّ. وليس لك أن تُعمِلَ عقلك فتتساءل ما الذي يفعله حزب سياسيّ قانونيّ له بين الناس رصيده الشعبي، ما الذي يحوجه إلى جهاز سريّ؟
4. إنّه ليس من جهاز سرّي غير هذا الذي نرى من أثر هؤلاء الوطد الذين وضعوا يدهم على الدولة وعبثوا بمرافقها وكسروا هيبة القضاء بتوظيفهم إيّاه في برامج انتقامهم من خصومهم نكاية بالشعب الذي أعرض عنهم ورشّحهم للتلاشي.
أن تسرق مال غيرك لا يجعل منك غنيّا. إنّه لا يَشبَعُ مَن روحُهُ الجوعُ. ولأنّ هؤلاء جياع حتّى العظم لم يكفهم حكم المحكمة بل أرسلوا صبيانهم ينهشون المحكومين من فوق منابر إعلامهم الوسخ. كان الإعلام مقدّمة المحاكمات ولن يرضى بأن يكون خاتمة لها. ولأنّ أفئدتهم هواء فسيقيمون على مضغ الذين حكم عليهم قضاؤهم ولن يزيل ذلك جوعهم بل سيزيد من غلمتهم... حتّى يقضيَ الله أمرا كان مفعولا.
وقديما قال العظيم أبو الطيّب
وجاهلٍ مدّهُ في جهلِه ضحِكي .. حتّى أتتْهُ يدٌ فرّاسةٌ وفَمُ
تاريخ أول نشر 2026/6/2
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.