→ جميع المقالات

دفاعا عن المعارضة التونسية في الخارج

وعلى كل الصورة المتواضعة للمعارضة في الخارج، فإن تبخيسها ليس من الانصاف في شيئ، ولا يجب أن يقع غمط دورها المشرق برغم نواقصها وعثراتها. فقد لعبت أدوارا مهمة، ونجحت في الاثخان في صورة النظام وموقعه سياسيا وديبلوماسيا وحقوقيا وإعلاميا.

أحمد عبد النبي أحمد عبد النبي ·
مشاركة
دفاعا عن المعارضة التونسية في الخارج

لو كان التهجم على المعارضة التونسية جاءها من النظام فإنني لم أكن لألقي له بالا فضلا أن أرد عليه، فالشيئ من مأتاه لا يستغرب، وما لا يستغرب لا يستحق التعليق عليه. أما أن يأتي التهجم والتنبير من بعض المنتسبين لقوى الثورة، فذلك ما استفزني ودعاني للرد، تقديرا لمن انتقد وتهجم ففي كل الأحوال نحن منهم وهم منا، ودفاعا عن رجال وقفوا ويقفون شوكة في حلق النظام في الخارج، رغم ما يشقهم من الاختلافات والخلافات شأن المقاومين في الداخل.

وأسوء صور التهجم والتنبير "المالح" جدا، ذلك الذي ينطلق من زاوية أنهم يناضلون من وراء البحار وعلى الأرائك الوثيرة وفي والظروف الوردية، وهو أمر محزن، أن لا يشعر البعض أنه يردد ترهات وتفاهات النظام منذ زمن بورقيبة، متجاهلين وغير مصدقين ما يعانيه الأغلبية الساحقة منهم من ظروف قاسية وخاصة المهجرين حديثا بعد انقلاب 25 جويلية 2021.

أما جوهر التهجم فهو يكاد ينحصر في تصريحات وكتابات البعض من رموز المعارضة، والتي تأخذ طابعا هجوميا تصعيديا ضد النظام وضد بعض أجهزة الدولة، ودعوة لممارسة كل أشكال المقاومة المدنية للإنقلاب.

وليسمح لي هؤلاء الإخوة أن أقول أن ردود أفعالهم تلك، ليس فقط فيها مبالغة، وإنما أكاد أقول أنها ضحية الارهاب النفسي الذي يمارسه النظام وأبواقه على الساحة. وإنه ليستبد بك العجب أن ترى بعض الإخوة يتناقل بينهم تصريحات المجنس التعيس أو خفاش الليل ومن على شاكلتيهما.

ووجه التهجم ينطلق من خلفية أنها تصريحات غير واقعية، وينطق بها من لا يعرف الواقع، ومن ليس لديه أي التزام عملي، لكي يكون شريكا في ما يدعو إليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تبدو لهم أن بعض التصريحات لا تعود إلا بالوبال على الناس في تونس، من حيث أنها تحمل أحزابهم مسؤولية كبيرة قد تكون وراءها قرارات التنكيل بهم.
وهو كلام - مع تقديري لشعور من يتبناه - لا معنى له عمليا، ولا يؤخر ولا يقدم شيئا جوهريا في دائرة الصراع. كل ما رأيناه، أن النظام، وكرد فعل على تصريحات بعض المعارضين، أثقل كاهلهم بالمحاكمات الصورية بأحكام بعشرات السنين.

وفي حين كان بعض المناضلين في الخارج يصعدون خطابهم النقدي للنظام ولبعض الأجهزة، وينطقون بما لا يستطيع المناضلون في الداخل البوح به، ويساهمون في تعرية النظام وكشف فساده، وإسقاط ورقة التوت عليه من رئيسه إلى الأجهزة المتورطة معه، إلى دوائر النهب العائلية والقرابية والشللية، مما ساهم في ضرب صورة الانقلاب في الخارج، وأحرج الدول والمنظمات الساكتة على فساده، بل والتي تدعمه، يحاجج البعض وكأن تصريح فلان أو علان سيسقط السقف على كل التونسيين.

الفيصل في الخطاب أيها الأصدقاء، هو وجود ضابط رئيسي فيه من عدمه. هل دعا هؤلاء لغير طريق المقاومة المدنية السلمية غير العنيفة (المسلحة) طريقا أم لا؟

فإذا كان هذا مسلم به، حيث لم يدع أحد منهم لغير ذلك، فكل طيف وسائل المقاومة المدنية مسموح به، والدعوة إليه ليست لا فجورا ولا مروقا.

أن يدعو البعض للنزول للساحة ويحرض عليه، أو يدعو البعض لتصعيد أشكال ووسائل المقاومة المدنية، وأن يجرئ البعض على مواجهة أجهزة القمع ورد اعتدائها، وأن يذكر أحد النظام ورأسه بما فيه من الكذب والخيانة والغدر، كل ذلك وأشباهه ليس فيه ما يعاب من حيث الجوهر، وهم لم يفرضوه لا على الداخل ولا على المعارضين ولا على أحزابهم. وهم يعملون في بيئات شديدة الحساسية وتتابع كل كبيرة وصغيرة ولو ترى أنها تحرض على استعمال العنف لأوقفتها.

تبدو المعارضة في الخارج مشتتة وغير متوافقة ولا تتفق على خطاب واحد، وهو شيئ لا يختلف عما عليه الداخل. غير أن الخطوات التي قطعت في الداخل نحو التوحد قطعت أيضا في الخارج. وليس من الحكمة أن تكون تلك الوحدة مانعة لتنوع الخطابات والمقاربات ضمن فضاء المقاومة المدنية.

كلمة أخيرة وأرجو أن تفهم في سياقها، كل أولائك الذين يستقبل خطابهم بالامتعاض والتهجم ليسو أحداثا، ولا دخلوا سوق النضال بالأمس القريب أو اليوم. إنهم رجال ونساء عركتهم السنين، وتقلبوا على جمر المقاومة، وعانوا في أغلبهم السجون والتنكيل في تونس والتضييق في الخارج.

وعلى كل الصورة المتواضعة للمعارضة في الخارج، فإن تبخيسها ليس من الانصاف في شيئ، ولا يجب أن يقع غمط دورها المشرق برغم نواقصها وعثراتها. فقد لعبت أدوارا مهمة، ونجحت في الاثخان في صورة النظام وموقعه سياسيا وديبلوماسيا وحقوقيا وإعلاميا. لقد جردته من كل شرعية في الخارج على مستوى علاقاتها مع المنظمات والهيئات السياسية والديبلوماسيا والحقوقية، وجعلت النظام يئن تحت وطأة الملفات التي أودعتها لدى الهيئات، والضغط الذي تمارسه على الهيئات السياسية للدول الغربية، فضلا عن الملفات الحقوقية والقانونية الثقيلة التي لن يفلت قيس سعيد ومن معه بسببها من العقاب. ودون أن ننسى النشاط الاعلامي المكثف الذي حول صورة النظام سوداء كالحة عند وسائل الاعلام الدولية ذات التأثير الكبير.

كل تلك النجاحات لا تلغي النواقص بطبيعة الحال، ولا تمنع من توجيه النقد وممارسة الحوار البناء. ولكن كل ذلك من دون تبخيس لجهد رجال ونساء مهما كان الاختلاف معهم إلا أنهم أعمدة راسخة في هيكل المقاومة المدنية للإنقلاب ولقوى الردة من أجل استعادة تونس الحرية والكرامة.
فتحية إكبار للدكتور منصف المرزوقي وللدكتور رفيق عبد السلام وللأستاذ بشر الشابي وللدكتورة سهام بادي وللسيدة هالة غربية وللمناضل الصلب إلياس الشواشي وللدكتور أحمد العمري والدكتور نجيب العاشوري ... ذكرت هذه الأسماء كمثل لأنهم من تتوجه حدة النقد إليهم، ولكن التحية موصولة أيضا لغيرهم من المناضلين الكبار في المهاجر الأوروبية والأمريكية وغيرها.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©