خطوتان في الطريق الصحيح
أقدر أن قطاعا مهما وفاعلا في كل الأحزاب والتنظيمات قد نضج بما فيه الكفاية للصبر على الطريق، وتركيز الجهود، والاعراض عن كل المثبطات، والاصرار على الثوابت المشتركة من الحرية والديمقراطية ودولة المواطنة الحقة لا دولة الرعايا.
المسيرة الجامعة للقوى الديمقراطية المناهضة للانقلاب التي جابت أهم شوارع تونس العاصمة أمس السبت 25 جويلية (يوليو) 2026، واستقرت امام المسرح البلدي بشارع الثورة، كانت حدثا بارزا نرجو ان يكون مفصليا بين ما قبلها وما بعدها.
مسيرة جمعت قوى المعارضة في صف واحد، تتقدم قياداتها المسيرة في وحدة وتكاتف، وامتزجت فيها أصوات الجميع في وحدة وانسجام، ورددت فيها الشعارات المناهضة للانقلاب التي صدح بها الآحرار منذ هبة مواطنون ضد الانقلاب ما بعدها في سمفونية تطرب الانفاس، وبرز فيها الحضور والصوت النسائي المقاوم، والحضور الشبابي الواعد، و"حجر الوادي" من رجال المقاومة للأنظمة الديكتاتورية منذ بورڨيبة مرورا ببن علي وحتى قيس سعيد.
خطوة مشرقة وواعدة، وصلنا إليها بعد صراع مضن مع قوى الجذب للوراء المعششة في جيوب الأحزاب السياسية.
أما عريضة "امن أجل استعادة الديمقراطية والكرامة" التي وقعت عليها رموز و قيادات فكرية وسياسية، والتي جاءت تلبية لنداء القيادات السياسية المختطفة في سجون الانقلاب، فهي الخطوة الثانية المبشرة والواعدة أيضا.
تلك الخطوة وصلنا إليها بعد جدالات وحوارات صاخبة، أنفقنا فيها من وقتنا وأعصابنا جهدا ليس باليسير. لكننا وصلنا ... وصلنا الى خطاب عفلاني مسؤول، عرف كيف يفرق بين الحد الأدنى المشترك وما عداه، ذلك الحد الذي لا تنازل عنه ولا مبرر للتخلف عن الانخراط في الدعوة إليه والتمسك به، ودون ان يلغي ذلك الاختلاف الذي لا مصلحة لنا في اختفائه أصلا، ألا وهو اختلاف البرامج والبدائل وزوايا النظر والتركيز، ذلك الاختلاف عنصر قوة لا بد من المحافظة عليه، لأنه يحمي الوطن من التكلس على صورة واحدة، ويجعل للوطن قرون استشعار تساعده على التجديد، من خلال ورشة الطروحات والبدائل والسبناريوهات الكفيلة بالخفاظ على مسيرته القاصدة حرية ونماء.
بقي أن نؤكد أن ما وصلنا إليه، لا يعني أنه مجمع عليه. فسيظل يُقاوَم من قوى الردة، وسيواصل التعرض لامتحانات الانتكاسة وتوقع الانزلاق، فلا زال مناخ التشكيك يلوث السماء، ولا زالت إحن الماضي وصراعاته حاضرة، ولا زال قطاع من قواعد الأحزاب جميعها وحتى بعض قياداتها مشدودون ومتحفزون للانتفاض أمام أي حدث مهما كان تافها، يرى منه صور الماضي الكريه لكل طرف. ولا زال النمامون والمتنمرون والنبارون ونافخو الكير موجودون، "يجتهدون" في إفساد المناخ بالتشكيك في النوايا وتصيد عثرات اللسان والنبش في أرشيف الماضي وعدم تقدير ما يحتاجه الوضع من الترفق والتفهم والتغافل والتجاهل.
أقدر أن قطاعا مهما وفاعلا في كل الأحزاب والتنظيمات قد نضج بما فيه الكفاية للصبر على الطريق، وتركيز الجهود، والاعراض عن كل المثبطات، والاصرار على الثوابت المشتركة من الحرية والديمقراطية ودولة المواطنة الحقة لا دولة الرعايا.
كل التحية والتقدير للحركة السياسية التونسية أحزابا ونخبا وقواعد، صامدون في السجون، وقاومون في الميدان، ومناضلون في المنافي، يعضها يرفد بعضا ويكمل بعضا حتى بلوغ الهدف: التحرر من الانقلاب واستعادة مسيرة ثورة الحرية والكرامة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.