جماعة جولن: من النشأة حتى انقلاب 15 تموز 2016.
عرض مركز لقصة جماعة غولن التركية من نشأتها إلى المحاولة الانقلابية الفاشلة التي دبرتها في 15 يوليو (تموز) 2016
1- نشا غولن في قرية صغيرة بارضروم، وانتقل لإزمير ليبدأ صعوده اللافت كواعظ في مسجد بورون أوفا . في 1972، اثناء الانقلاب الناعم وصراع اليمين واليسار، استهدف غولن الشباب الباحث عن هوية دينية وسط العلمانية، عبر دروس خاصة في منازل بإزمير عرفت بـ"بيوت النور"، وتغير إسمها لاحقا لـ"بيوت الخدمة". وتوسع بأحياء أخرى بإزمير مثل كوناك وبورنوفا، وافتتح بيوت خدمة بإيجارات بسيطة. وبدا بإطلاق برامج التهذيب، وهي جلسات دينية مركّزة نهاية الأسبوع، وبدأ بإنشاء علاقات مع أئمة متعاطفين مع فكره بمدن اخرى . في 1974 تواصل مع رجال أعمال محافظين لتمويل البيوت، بحيث توفر إقامة وطعام وتعليم ديني ومراجعة مدرسية، وبدأ باستخدام مصطلح "حركة الخدمة" بدلا من "جماعة الدعوة".
2- في 1975 ظهرت أول خلية تنظيمية لقولن، حيث حوّل طلابه القدامى المخلصين له كمشرفين على الطلاب الجدد، وخصص لكل بيت خدمة مشرف وظيفته مراقبة سلوك الطلاب الجدد ورفع تقارير لغولن لاختيار الأفضل، وأنشا مجالس مغلقة لتربية الطلاب على السرية والانضباط والسمع والطاعة وتعهد عدم إفشاء الاسرار. في 1976 افتتح مراكز دروس خصوصية تجارية Dershane، يديرها طلابه القدامى، وظيفتها تدريس مواد أكاديمية، وعمل سري باختيار الطلاب الموهوبين من أبناء الطبقة الفقيرة وعرض التعليم المجاني والسكن ببيوت الخدمة عليهم. وطلب من طلابه القدامى الانتقال لمدن أخرى مثل مانيسا وأيدين لنقل التجربة. في 1977 تحولت بيوت الخدمة إلى مراكز تربوية وتنظيمية ببرنامج يومي صارم، ومنع الطلاب من أي علاقات خارجية، وبدأ غولن بتوجيه طلابه الموهوبين للعمل بالصحف المحلية. توسع نشاط الجماعة في 1978 خارج إزمير بانتقال الطلاب لاسطنبول وأنقره، وتكثف تأسيس البيوت في الأحياء الفقيرة لتوفير السكن والأكل مجانا . في 1979 أسس غولن أول مجلة له باسم Sızıntı أي التغلغل، وكان هدفها تفسير القران وفق الاكتشافات العلمية الحديثة.
3- مع انقلاب 1980 بقيادة الجنرال كنعان إيفرين، بدأت حملات واسعة ضد اليساريين والأكراد والإسلاميين بوصفهم خطرا على الأمن القومي. وهنا السؤال: كيف أفلت غولن من قبضة انقلاب كنعان إيفرين عكس غيره من الدعاة؟ كان غولن يعمل كواعظ رسمي بمؤسسة الشؤون الدينية الحكومية، ولم يتحدث بالسياسة أبدا، وفوق هذا اختفى شهورا بعد الانقلاب في فترة سميت داخل جماعته بالتجميد. بعدها أعاد هيكلة بيوت الخدمة ومراكز الدروس الخصوصية لتكون أكثر سرية وانضباطا، وبدا بغربلة شاملة لاختيار الطلاب الأذكياء والموالين له تماما لزرعهم في مؤسسات الدولة.
4- بدأ غولن بإرسال رسائل مشفرة تحث طلابه على التفوق الدراسي لزرعهم بالقضاء والشرطة والتعليم، مع طاعة مطلقة له وللجماعة. مع وصول تورغوت أوزال للسلطة في 1983، تنفس غولن الصعداء ولتبدا مرحلة الانتشار العلني، فافتتح أول مدارسه باسطنبول في 1984، تلاها سنة 1985 بانشاء معهد معلمين، وتوسيع بيوت الخدمة لتشمل جنوب شرق ووسط تركيا. في 1986 تحولت معاهد Dershane إلى مراكز رسمية للتحضير للجامعة، مع التزام تام بوصية غولن بالابتعاد عن السياسة. كانت المعاهد تبدو قانونية ومتاحة للجميع، لكنها أخفت في باطنها خطة تغلغل دقيقة، حيث جرى التركيز على دعم الطلاب الموهوبين من بيوت الخدمة لضمان تفوقهم، وكانت لديهم خطه لتجاوز امتحانات القبول، وهي شراء معاهد قولن أرشيف اختبارات عشر سنوات، ودربت الطلاب بمعسكرات مكثفة تصل إلى 12 ساعة يومياً، مع استغلال علاقات مع مدرسين لمعرفة محاور الأسئلة، مما حقق نجاحات لافتة منحتها سمعة ممتازة جذبت حتى العلمانيين واليساريين. الهدف الحقيقي كان بناء سمعة واستخدامها كمعسكرات تجنيد يقودها مشرفون موالون لغولن يراقبون الطلاب لانتقاء المتفوقين من عائلات فقيرة والمتدينين. تبدأ الخطة بكسب ثقة الطالب عبر أنشطة اجتماعية ووجبات أكل، ثم إغراؤه ببيوت الخدمة المجانية ودروس إضافية وبيئة مثالية. و بمجرد انتقاله للسكن، يخضع لجدول صارم يدمج بين الصلاة والمذاكرة والمحاضرات، ولتبدأ الجماعة بغرس مفاهيم الولاء المطلق لغولن وحركة الخدمة، وإقناعه بانه من المختارين لمهمة عظيمة في الدولة مستقبلا.
5- بهذه الطرق أسس غولن جماعة سرية توسعت سرا بلا حدود. في 1987، بدأت الجماعة بتمويل ذاتي عبر بنك تبرعات غير رسميه، واستحدثت نظام "الآغا بيه" (المشرفين). "الآغا بيه" هم طلاب مخلصون يتدرجون في الولاء، مهمتهم مراقبة بيوت الخدمة ورفع تقارير دقيقة عن انضباط الطلاب. بناء على التقارير تتم الترقية من "آغا بيه بيت" إلى "آغا بيه حي" ثم مدينة وصولاً إلى آغا بيه تركيا الذي يدير كامل الشبكة. بحلول عام 1988، كان طلاب غولن متغلغلين في الجامعات وأكاديميات الشرطة. لماذا الشرطة؟ للوصول لمعلومات أمنية تحمي الجماعة، وتسهيل تجنيد أعضاء جدد بالسلك. أما المتفوقون في كلية الحقوق، فصاروا بعد تخرجهم في 1990 مساعدي قضاة ووكلاء نيابة، ومع الوقت والعمل المخطط له، ترقوا لمناصب قضائية مرموقة. في 1989 اسست الجماعة جمعية الخدمة لتعزيز التمويل والدعم السياسي. بحلول 1990 ترسخ تغلغل طلابها في القضاء والشرطة والتعليم، وفي 1991 اسسوا صحيفة زمان، وتلاها في 1993 إطلاق قناة تلفزيونه اسمها Samanyolu
6- خلال أزمات تركيا في 1995، أوصى غولن أتباعه بالتغلغل الهادئ في شرايين الدوله بالقول "عليكم أن تدخلوا شرايين النظام دون أن تُكتشفوا. انتظروا اللحظة المناسبة. لا تخرجوا قبل أن تسيطروا تمامًا على كل مؤسسات الدولة." تم تسريب حديث غولن للمخابرات العسكرية التي اعتبرته تحذيرا خطيرا خاصة مع نجاح الجماعة في زرع طلابها بالأكاديميات العسكرية التي يديرها العلمانيون ويحظرون فيها أي مظهر ديني. استناد لتقارير وشهادات منشقين، أفتى غولن لأتباعه بجواز ارتكاب محرمات كشرب الخمر وحلق اللحى للتخفي داخل الجيش، متذرعا بعقيدة التقية لخدمة هدف التغلغل والسيطرة. في عام 1995، رصد اللواء رضا كاياكشي Reza kayakçı تحركات مريبة لضباط داخل الجيش، ورفع تقريرا سريا للقيادة يحذر فيه من وجود شبكة تسعى لبناء نفوذ عسكري، مما دفع قيادة الجيش لبدء عملية مراقبة سرية للمشتبه بهم استمرت عامين.
7- في1996 أعلن غولن تأسيس بنك آسيا asya bankı، ليبدء البنك بمهام تمويل الجماعة ومدارسها وأنشطتها الخيرية في1997. ضيق الجيش الخناق على التيارات الإسلامية وأسقط حكومة أربكان بسبب صدامه مع المؤسسة العسكرية، وفتح تحقيقاً ضد غولن بعد تسريب فيديو التغلغل . لكن خلافا لأربكان، نأى غولن بنفسه عن الصدام مع الجيش وطالب بعزل حكومة أربكان تأكيدا لولائه للنظام الجمهوري. وتوّج هذا التقارب بدعم أتباع غولن لليساري أجاويد في انتخابات 1999، الذي دافع بدوره عن غولن ونفى كونه خطرا على الدولة.
8- في1999، غادر غولن إلى أمريكا بحجة العلاج، واستقر في بنسلفانيا وأسس جمعية "Cosmos Foundation" كواجهة لمدارسه الخاصة. وتحت غطاء مدارس الميثاق توسع غولن لينشئ 150 مدرسة بامريكا، وحصلت مدارسه بين 2010 و2015 على تمويل حكومي أمريكي تجاوز 250 مليون دولار. استغل غولن هذا الغطاء للحصول على آلاف تأشيرات العمل H-1B لجلب كوادره التركية، متفوقا في أعداد التاشيرات حينها على شركات تكنولوجية كبرى مثل جوجل، مستخدما مناهج STEM المتميزة كواجهة تعليمية مقبولة في النظام الأمريكي.
وهنا نأتي للسؤال الأهم؟ هل كان غولن وجماعته على علاقه بالمخابرات الأميريكية CİA؟ في الحقيقة لا توجد أدلة علنية قاطعة، لكن اللافت أن المحكمة الفيدرالية رفضت إقامته في البداية، ليتدخل كبار مسؤولي الاستخبارات والخارجية (مثل جراهام فولر وجورج فيداس ومورتون أبراموفيتز) بتقديم تزكيات شخصية للمحكمة، زعم هؤلاء المسؤولون أن غولن يمثل الإسلام المعتدل، مما ضمن له الإقامة الدائمة في أمريكا، حيث انطلق بعدها لبناء إمبراطورية تعليمية ضخمة امتدت عبر 100 دولة في آسيا وأفريقيا تحت غطاء نشر قيم الانفتاح.
.
9- في 2002، دعمت جماعة غولن حزب العدالة والتنمية الناشئ بقيادة أردغان كغطاء سياسي آمن، لكونه تجنب الصدام مع الجيش الذي أسقط أربكان. وبحلول 2003، أحكمت الجماعة سيطرتها على مركز "ÖSYM" المسؤول عن امتحانات التوظيف الحكومي، مما منحها مفاتيح الدولة، حيث باتت تضع الأسئلة وتسربها مع الأجوبة لأتباعها لضمان تعيينهم في مفاصل القضاء والشرطة والوزارات. في 2004 أخطأ اردغان بتجاهل توصية مجلس الأمن القومي التي حذرت من خطر تغلغل جماعة غولن، معتبرا إياها صراعا بين مؤسسات الدولة العلمانية والجماعات الدينية. واستغلت الجماعة هذا الغطاء بين 2005 و2006، فكثفت تسريب أسئلة الامتحانات الحكومية عبر سيطرتها على مؤسسة "ÖSYM" مما مكنها من زرع الآلاف من أتباعها في مفاصل الدولة.
10- في2007 اندلع صدام علني بين الحكومة والجيش على خلفية ترشيح عبدالله غول للرئاسة. أصدر الجيش بياناً إلكترونيا تحذيريا لرفضه خلفية غول الإسلامية، ودعمت جماعة غولن الحكومة إعلاميا ضد وصاية الجيش. رغم إبطال المحكمة الدستورية لنتائج التصويت الأول بضغط عسكري ومعارض، فاز حزب العدالة بأغلبية كاسحة في الانتخابات المبكرة، مما مكنه من تنصيب غول كأول رئيس ذي ميول إسلامية يتحدى سطوة الجيش ويفشل تدخله. بعد فوز عبدالله غول بالرئاسة استغلت جماعة غولن غضب الشارع من الجيش لفتح قضية أرغينكون الملفقة في 2008، حيث قاد المدعي زكريا أوز المنتمي للجماعة سرا حملة اعتقالات واسعة طالت قيادات الجيش بمن فيهم رئيس الأركان وصحفيين وأكاديميين، بهدف إزاحة معارضي الجماعة وتمكين الموالين لها داخل المؤسسة العسكرية. وفي 2009، استغلت الجماعة ذريعة اغتيال بولنت أرينتش لاقتحام الغرفة الكونية التي تحتوي أخطر أسرار الدولة العسكرية والاستيلاء على آلاف الوثائق الحساسة وتسريبها لجهات أجنبيه.
11- في 2010، تخلصت جماعة غولن من زعيم المعارضة دنيز بايكال عبر تسريب فيديو فاضح له انتقاما من معارضته العلنية لنفوذهم، مما أجبره على الاستقالة. وتزامن ذلك مع فضيحة امتحان KPSS وهو امتحان القبول في الوظائف الحكوميه، حيث أثار حصول 350 شخصا معظمهم من جماعة قولن على الدرجة الكاملة في الامتحان لأول مرة في التاريخ شبهات لدى الراي العام بتركيا حول وجود تلاعب بامتحانات التوظيف، خصوصا مع سيطرة الجماعة بمركز "ÖSYM" الذي يعد أسئلة الامتحانات، كما أثار هذا الأمر شكوك الحكومة، لتكون هذه الواقعة الشرارة الأولى للصدام المباشر بين أردغان وجماعة غولن. وبعد ضغوط إعلامية، كشف موظف بمركز "ÖSYM" عن تسريب أسئلة الامتحانات؛ فأمرت الحكومة بفتح تحقيق ومداهمة مراكز تعليمية تابعة للجماعة، حيث ثبت تورطها في تسريب الأسئلة مسبقا مما دفع الحكومة لإلغاء النتائج رسميا. وهو ما شكل نقطة التحول وبداية انهيار الثقة بين أردغان والجماعة.
12- في أواخر 2010، استند القضاء الموالي للجماعة إلى تقرير مفبرك من صحيفة Taraf المواليه لهم يزعم تخطيط ضباط لقصف جامع الفاتح اثناء تواجد أردغان لصلاة الجمعة فأصدر القضاء أوامر باعتقال مئات الضباط بتهمة الانقلاب. تبين لاحقا أن الواقعة مجرد مؤامرة دبرتها الجماعة لتصفية المعارضين لنفوذها داخل الجيش.
13- بحلول عام 2011، تنبه أردغان للقضاء الموالي للجماعة وتحوله لقوة موازية داخل الدولة. مع هذا كان أردغان مشغولا بملف عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني PKK، وكلف حينها رئيس الاستخبارات هاكان فيدان بإجراء مفاوضات سرية في أوسلو مع حزب العمال الكردستاني لحل الأزمة الكردية، مستغلا كونه شخصية غير مرصودة وقريبة من الملف. عارضت جماعة غولن مفاوضات السلام مع PKK واعتبرتها خيانة، فاستخدمت إمبراطوريتها الإعلامية لمهاجمة أردغان علنا مما كشف لاردوغان حجم الدولة الموازية التي بنتها جماعة قولن داخل الدوله ومدى وقوتها لدرجة انه في سبتمبر 2011، سربوا تسجيلات لقاءات أوسلو السرية لرئيس الاستخبارات هاكان فيدان على يوتيوب، وتلى ذلك تحرك قضائي ضد فيدان بتهمة الخيانة العظمى للدولة، لتكتشف الاستخبارات التركيه الصدمة وهي ان جماعة قولن زرعت أجهزة تنصت في مكتب أردغان ووزارة الخارجية، تورط فيها 11 عنصرا نجحوا بالتغلغل والوصول لمناصب حساسة.
14- في 7 فبراير 2012، وفي توقيت إجراء أردغان لعملية جراحية، حاول مدعٍ عام موال للجماعة اعتقال رئيس الاستخبارات هاكان فيدان بتهمة خيانة الدولة بسبب مفاوضات أوسلو مع PKK. بعد تواصل فيدان مع أردغان، أمره الأخير بعدم الامتثال للشرطة وأرسل القوات الخاصة التي حاصرت الشرطة المتمردة وأجبرتها على الانسحاب، في أول مواجهة مسلحة بين مؤسسات الدولة. وعقب ذلك حصّن أردغان جهاز الاستخبارات قانونيا ضد الاستجواب دون موافقته وهو ما أثار غضب المعارضة. وكشفت الحادثة بعد ذلك مخطط مزدوج لاغتيال أردغان واعتقال فيدان. لاحقا أُلقي القبض على المدعي العام المتورط أثناء محاولته الهروب بعد محاولة انقلاب 2016.
15- هل يصمت أردغان على جماعة قولن التي بدأت الحرب ضده؟ طبعا لا، ففي منتصف 2012، أعلن وزير التعليم التركي وخطاب لأردغان عن توجه حكومي لتطوير التعليم الرسمي والحد من الاعتماد على مراكز الدروس الخصوصية (الدرسانات)، مع تسريبات بنية الحكومة إغلاقها خلال عامين. أثار هذا التوجه حفيظة جماعة غولن، التي كانت تعتمد على هذه المراكز كركيزة أساسية لنفوذها وتمويلها، فردت إعلاميا عبر صحيفة زمان بحملة تدافع عن المراكز وتنتقد التوجه الحكومي.
16- كان عام 2013 عام تحول الصراعات الخفية في تركيا إلى صراعات علنية، حيث أعلن أردغان في يناير عن عملية الحل للتفاوض مع PKK لإنهاء الصراع المسلح، وهي الخطوة التي أثارت معارضة قوية من القوميين وجماعة غولن. وفي مارس، توجت هذه الجهود بدعوة أوجلان لوقف إطلاق النار وانسحاب مقاتلي التنظيم، في محاولة لطي صفحة الحرب. وبينما كانت الحكومة تركز على هذا المسار، انفجرت أحداث حديقة غيزي بارك في مايو 2013، حيث بدأت احتجاجات محدودة في ميدان تقسيم تحت ذريعة حماية الأشجار رفضا لإعادة بناء ثكنة عثمانية، وسرعان ما اتسعت رقعتها لتتحول إلى موجة اضطرابات وفوضى عارمة شملت عموم تركيا، وشكلت تحديا وجوديا غير مسبوق، وكادت تسقط حكومة اردوغان.
17- تعد الأحداث التي حدثت بين عامي 2013-2014 ذروة الصدام بين أردغان وجماعة غولن. بدأت باستغلال الجماعه لانشغال الحكومة بأحداث غيزي بارك و التي استغلها الإعلام التابع للجماعة للتحريض ضد الحكومة، تلتها نية الحكومة إغلاق "الدرسخانات" (مراكز الدروس الخصوصية) التي كانت تمثل شريان التمويل والتجنيد للجماعة، مما دفعها للرد بفتح ملفات وتهم فساد كبرى ضد حكومة أردغان لعل أبرزها أحداث 17 ديسمبر 2013. حيث استغلت جماعة غولن ملف "الالتفاف على العقوبات الإيرانية" عبر "خلق بنك" لتنفيذ حملة اعتقالات استهدفت مقربين من الحكومه تلتها تسريبات صوتية مفبركة لإسقاط الحكومة، وهو ما اعتبره أردغان انقلاباً قضائيا دفعته لتطهير أجهزة الأمن والقضاء. ثم ظهرت أزمة شاحنات المخابرات في يناير 2014، حيث اعترضت قوات الجندرمة شاحنات تابعة للاستخبارات التركية كانت تنقل أسلحة للمعارضة السورية، وسُربت صورها للإعلام الدولي لتصوير تركيا كدولة داعمة للإرهاب، مما دفع الحكومة للانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم الشامل لتفكيك الكيان الموازي و الذي اتهمته بالتجسس وتسريب أسرار الدولة لخدمة أجندات خارجية.
18- بين عامي 2014 و 2015 بدأت الجماعه حرب التسريبات الممنهجة ضد الحكومه التركيهة فبعد تحصين أردغان لجهاز المخابرات وتقييد القضاء، ردت الجماعة عبر حسابات مجهولة مثل ""başçalan أي اللص الكبير بتسريب مكالمات مجتزأة لضرب شرعية الحكومة دوليا وداخليا. استغلت المعارضة هذه التسريبات كوقود لحملتها الانتخابية، واصفة أردوغان بـاللص الكبير بينما اعتبر أردغان ذلك انقلابا ناعما من جماعة قولن يستوجب المواجهة الشاملة. ثم ظهرت بعد ذلك فضيحة اجتماع سوريا، حيث تم تسريب تسجيل لاجتماع أمني سري بين وزير الخارجية، ورئيس المخابرات، وزير الدفاع نوقشت فيه خطة لإيجاد مبرر للتدخل في سوريا. التسريب كان ضربة تحت الحزام أجبر تركيا على تجميد عمليتها العسكرية في سوريا خشية تهمة "افتعال الحروب لأغراض انتخابية". ثم بعد ذلك كانت ظاهرة فؤاد عوني الصندوق الأسود. وهو حساب تويتر غامض كان يعرف تحركات الحكومة من قائمة الاعتقالات، الى التغييرات في ضباط الأمن، الى خطط القصر الحكومي قبل وقوعها. لعب الحساب دورا نفسيا خطيرا أقنع المعارضة أن الحكومة تلاحقهم، بينما كان الهدف الحقيقي هو شلّ حركة الدولة، لمنع تفكيك نفوذ الكيان الموازي. نشر الحساب عن تصدعات في حكومة أردغان، وكشفت التسريبات عن فجوة بين أردغان وعبدالله غول، غول الذي كان يرفض حرب تكسير العظام بين أردغان وجماعة غولن، لأنه يخشى إضعاف الدولة، بينما كان أردغان يرى في التصفية الشاملة لجماعة غولن خيارا وجوديا؟ اتخذ أردوغان قراره بإحكام القبضة على مفاصل الدولة، وتطهير الدوله من الكيان الموازي التابع لجماعة غولن. ورغم كل الضغوط التي تعرض لها أردغان من تسريبات وملفات فساد وعقوبات محتملة فاز أردغان في انتخابات مارس 2014، واعتبرها تفويضاً شعبيا لبدء مرحلة تطهير الدولة وتصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي بعد أن أثبتت الأحداث أنها دولة داخل دولة تملك أدوات التجسس والتحريض.
19- لقد كان حساب فؤاد عوني حربا نفسية لإرباك القرار الحكومي. بحيث اذا عرف الرأي العام ما سيحدث، لن تنفذه الحكومة". لقد كان الحساب يدار من قبل 7 أشخاص من داخل الدولة (خارجية، أمن، استخبارات).بدأ اردغان بعد ذلك حملات التطهير طالت القضاء والشرطة. دخلت المعارضة على الخط هذه المرة واعتبرت التطهير تكميم للأفواه ودفناً للفساد الذي أظهرته جماعة قولن. وكما يقال المصائب لا تاتي فرادى حيث ظهرت بعد ذلك كارثة منجم سوما الذي راح ضحيته 301 عامل. حيث كان المنجم كان يفتقد لأدنى معايير السلامة. أدار الأزمة أردوغان بضعف واستغلت الجماعة والمعارضة الحدث كفرصة للانتقام السياسي. فقد ضخ إعلام الجماعة إشاعات عن فساد وعلاقة مشبوهة للحكومة بالشركة المشغلة. لكن أردغان تجاوز المحنة باعتقال المديرين وبالتعويضات السريعة. ثم بعد ذلك بدأت الحكومة مداهمات لاعتقال 100 ضابط متورط بالتنصت على الرئاسة. ووصفت المعارضة الاعتقالات بالانقلاب على الديمقراطية. بعد ذلك ظهرت أحداث كوباني عين العرب في سوريا حينما حاصرتها داعش .فطالب دميرتاش رئيس الحزب الكردي بفتح الحدود لـ وحدات حماية الشعب الكردي (YPG)، لكن أردغان قال لن أستبدل إرهاب داعش بإرهاب (YPG). ثم ظهرت مواجهات بين حكومة اردغان والأكراد راح ضحيتها 37 قتيلاً وحرق المئات من المباني الحكومية. هذه الأحداث نسفت عملية السلام وأعلنت بداية الحرب المفتوحة بين تركيا والتنظيمات الكردية. لاحقا، وجهت الحكومه التركيه للسياسي الكردي دميرتاش الاتهام بالتحريض على العنف والتسبب بمقتل مدنيين وتم اعتقاله وسجنه الى يومنا هذا.
20- بعد أحداث 6-8 أكتوبر 2014، تحولت تركيا إلى غابة صراع. الحكومة التركية التي دخلت في حرب مع جماعة غولن دخلت حربا أخرى مع التنظيمات الكردية بعد أن أدركت أن عملية السلام في 2013 انتهت فعليا، وأن التنظيمات الكردية لديها خلايا نائمة في المدن. ومن جهة أخرى بدأت الحكومة حملة اعتقالات واسعة طالت إعلاميي الجماعة، مثل مداهمة صحيفة "زمان" وقناة "سمان يولو" واعتقال رئيس تحريرها "أكرم دومانلي"، كما خرج أردغان يقول "سنحاسب كل من تآمر على الدولة، لا حصانة لأحد". صورت جماعة غولن الأمر كهجوم على حرية الصحافة، لكن الحكومة قدمت ملفات تورطهم بالتجسس. وفي مايو 2015 كانت الانتخابات البرلمانية، والتي اراد أردغان من خلالها الحصول على أغلبية ساحقة لتغيير الدستور للنظام الرئاسي، لكن أحزاب المعارضة حينها (CHP, MHP, HDP) نسقت جهودها لإفشال هذا الطموح، وفقد حزب العدالة الأغلبية المطلقة لأول مرة. ثم بعد ذلك في يوليو 2015 كانت "مذبحة سروج" ثم "حادثة جيلان بينار". تفجير انتحاري في سروج استهدف نشطاء أكراداً، واتهمت الحكومة "داعش " بتدبيره، وبعد يومين، قتل تنظيم PKK شرطيين تركيين في منزلهما بـ جيلان بينار . فقررت الحكومه التركيه حينها الدخول في حرب شاملة مع التنظيمات الكرديه. بدأت أكبر عملية عسكرية جوية وبرية ضد معسكرات (PKK) في جبال قنديل. بدأ التنظيم بحفر خنادق داخل المدن التركيه ذات الاغلبيه الكرديه مثل (سور، سلوبي، جزيرة)، ففرضت الدولة حظر تجول شامل. من جهه أخرى في نوفمبر 2015 حدثت انتخابات الإعادة بعد فشل تشكيل حكومة ائتلافية. الشارع التركي الذي خاف من الفوضى والحروب، أعطى صوتاً قوياً لحزب العدالة. فاستعاد الحزب الأغلبية البرلمانية، وأُجهض حلم المعارضة والجماعة في إزاحة أردغان. مع بداية 2016 دخلت الحكومه حرب التصفية الشامله مع الجماعه من جهه ومع التنظيمات الكرديه من جهه اخرى. أنهى الجيش حرب الخنادق مع تنظيم (PKK) بالكامل ودمر مقرات التنظيم الكردي في المدن. في نفس الوقت، زاد أردغان من وتيرة ملاحقة "الكيان الموازي". حيث تم تصفية نفوذ الجماعة في سلك القضاء والشرطة والتعليم، وتم تعيين أوصياء من الدولة على شركات الجماعة المالية، لكن في مايو 2016 ظهرت فضيحة داوود أوغلو حيث بدأت الخلافات تظهر للسطح بين أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو حيث كان يختلف مع أردوغان حول إدارة ملف الأكراد، والصلاحيات، والتعامل مع الغرب .أجبر أردغان داوود أوغلو على الاستقالة، وعين بن علي يلدريم رئيسا للوزراء، لضمان السيطرة المطلقة على القرار قبل العاصفة الكبرى القادمة لان الساحة التركية كانت تتهيأ لحدث كبير جدا فقد أدركت جماعة ة غولن أن أردغان سيقتلعهم تماما خلال أشهر، فبدأو يحضرون للضربة الأخيرة.
.
21- في شهر تموز 2016 كانت معركة كسر العظم بين أردغان وجماعة غولن، حيث دخلت الحرب بينهما مرحلة اللاعودة، فمن سينتصر سيقضي على الآخر، وكانت المعلومات المسربة لجماعة غولن تؤكد أن أردغان سيصدر قائمة تطهير كبرى تقتلع ضباط الجماعة من الجيش نهائياً، خصوصا مع اقتراب موعد اجتماع المجلس العسكري الأعلى YAŞ في أغسطس. كان أردوغان يراجع في أنقرة قبل ان يتوجه لاجازته في مرمريس بتركيز قوائم المجلس العسكري الأعلى المرتقب .
22- لكن هنا مربط الفرس، فجماعة قولن كانت تعرف تحركات أردغان مسبقا لانها مخترقة للحكومة بشكل لا يصدق، حتى انها تعلم بالجدول الرئاسي ومتى سيقضي إجازته واين سيقيم وكل هذه التفاصيل. في نفس التوقيت بدأت حركة غير مألوفة لضباط الصف والقيادات الوسطى التابعين للكيان الموازي. بدأ العميد هاكان إيفريم في قاعدة أكينجي الجوية في توجيه أوامر غامضة لطياري المروحيات، بضرورة إجراء تدريبات ليلية طارئة في اليوم التالي 15 يوليو، تم تحديد مهام فرق الاغتيال الخاصة؛ حيث تم تشكيل وحدة عسكرية متخصصة (فريق المهام الخاصة) للتوجه إلى مرمريس فور إعلان ساعة الصفر، وكان هدفهم الوحيد هو تصفية أردوغان. بدأت عملية عزل القادة الموالين للدولة داخل الثكنات؛ إذ قام الانقلابيون بوضع خطط لاحتجازهم أو شل حركتهم لضمان عدم اعتراضهم على التحرك العسكري، في منازل الجماعة المنتشرة في أنقرة وإسطنبول، كانت الاجتماعات تدور حول كيفية السيطرة على مفاصل الدولة في أقل من 3 ساعات، معتقدين أن القضاء على القيادة السياسية سيؤدي لانهيار المقاومة الشعبية، تم تجهيز قوائم بأسماء الشخصيات السياسية والإعلامية التي يجب اعتقالها فوراً، لضمان السيطرة المطلقة على القرار في الدولة. المخابرات التركية كانت في سباق مع الزمن، تحاول فك شفرات بايلوك التي كانت تتدفق بغزارة، لكن حجم الاختراق كان أعمق مما توقعه فيدان في ذلك الوقت.
23- كان مخطط جماعة غولن القيام بانقلاب في صباح 16 تموز لكن ما حدث كام مفاجئا لهم لأنه في تمام الساعه 14:45 من يوم 15 تموز حدث شيئ غير متوقع وهو قيام ضابط طيار بالوصول سرا إلى مقر الاستخبارات MİT وقدم معلومات خطيرة حول تفاصيل الانقلاب وفي الساعه 16:00 وصل رئيس الاستخبارات هاكان فيدان إلى مقر رئاسة الأركان، واجتمع برئيس الأركان خلوصي أكار وتم إصدار أوامر عاجلة بمنع أي تحركات عسكرية أو طيران حربي وبعد ساعتين من الاجتماع يكتشف متنسبي تنظيم غولن داخل مقر رئاسة الأركان تفاصيل الاجتماع وان خطتهم قد انكشفت، فيتخذون قراراً مفاجئاً بتقديم ساعة الصفر إلى المساء بدلا من الثالثة فجرا ومن هنا بدأنا قصة ليلة 15 تموز التي لن تنسى من ذاكرة الاتراك اطلاقا.
المصدر: حساب خلف الستار التركي على تويتر
https://x.com/perde_arkasi1/status/2077471878344532265?s=20
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.