تونس 2026–2028
مَن يحسم معركة الجمهورية؟ خريطة القوى والرهانات بعد قوس الظلامية
1- مدخل منهجي
2- بنية الأزمة التونسية
3- خريطة القوة العامة
4- خريطة الفاعلين وموازين قدراتهم
أولا: قيس سعيّد ومركز الرئاسة
ثانياً: الاتحاد العام التونسي للشغل
ثالثاً: حركة النهضة
رابعاً: الأحزاب الديمقراطية والوسطية
خامساً: اليسار الماركسي
سادساً: التيار القومي
سابعاً: رجال الأعمال ومنظمة الأعراف
ثامناً: الجيش والمؤسسة العسكرية
تاسعا: الأجهزة الأمنية
تاسعا: المجتمع المدني والإعلام
عاشرا: الشباب
5- ميزان القوة العام
6- السيناريوهات 2026–2028
السيناريو الأول: الاستنزاف السلطوي المستقر — 38%
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
السيناريو الثاني: الانفراج التفاوضي المحدود — 22%
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
السيناريو الثالث: انتفاضة اجتماعية وطنية وانتقال مضطرب — 20%
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
السيناريو الرابع: التصلب السلطوي الشامل — 13%
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
السيناريو الخامس: أزمة دولة أو انتقال قسري من داخلها — 7%
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو
7- المتغيرات القادرة على تغيير الاحتمالات
- المتغير الأول هو المالية العمومية
- المتغير الثاني هو اتحاد الشغل
- المتغير الثالث هو درجة تماسك المعارضة
- المتغير الرابع هو سلوك الأجهزة الأمنية
- المتغير الخامس هو المناخ والمياه والطاقة
- المتغير السادس هو الاتحاد الأوروبي
- المتغير السابع هو الجزائر وليبيا
- المتغير الثامن هو ظهور قيادة جديدة
8- شروط بناء بديل وطني
9- لوحة الإنذار المبكر المركبة
10- الخلاصة الاستراتيجية
11- مراجع
تقف تونس عند مفترق تاريخي لا يتعلق بمصير سلطة أو معارضة فحسب، بل بطبيعة الدولة التي ستخرج من الأزمة الراهنة. فبعد سنوات من تركيز القرار في مؤسسة الرئاسة، وتراجع دور الأحزاب والبرلمان والهيئات الوسيطة، تبدو البلاد محكومة بمفارقة حادّة: سلطة تمتلك أدوات الضبط ولا تمتلك بعدُ مشروعًا اقتصاديًا واجتماعيًا قادرًا على إنتاج الرضا، ومعارضة تتسع أمامها أسباب الاحتجاج، لكنها لم تنجح في تحويل الغضب الشعبي إلى بديل وطني موحّد وجدير بالثقة. وبين الطرفين يقف مجتمع أنهكته البطالة وغلاء المعيشة وتدهور الخدمات، فيما يواصل شبابه البحث عن الخلاص بين الهجرة والانسحاب والاحتجاج.
هذه الدراسة لا تسأل فقط: هل يستمر قيس سعيّد في الحكم أم تنجح المعارضة في تغييره؟ بل تطرح السؤال الأعمق: أيُّ جمهورية تتشكل في تونس بين عامي 2026 و2028؟ ومن يمتلك القدرة على ترجيح كفة المستقبل: الرئاسة، أم اتحاد الشغل، أم الأجهزة الأمنية والعسكرية، أم الأحزاب والقوى المدنية، أم الشباب والقوى الاجتماعية الصاعدة؟ ومن خلال تفكيك موازين القوة ورصد نقاط التحول ومؤشرات الإنذار المبكر، ترسم الدراسة خمس مسارات محتملة تتراوح بين الاستنزاف السلطوي والانفراج التفاوضي والانتفاضة الاجتماعية والتصلب الشامل وأزمة الدولة؛ لتكشف أن الخطر الحقيقي لا يكمن في سقوط طرف أو انتصار آخر، بل في استمرار «توازن العجز» الذي يجعل الدولة قادرة على المنع دون الإنجاز، والمجتمع قادرًا على الغضب دون التنظيم، والمعارضة قادرة على الاحتجاج دون الاستعداد للحكم.
1- مدخل منهجي
ينطلق هذا المقال/ الدراسة من فرضية أن تونس لا تواجه أزمة حكومة أو رئاسة فحسب، بل أزمة نموذج دولة وعقد اجتماعي ومنظومة وساطة سياسية. فقد تزامن تركيز السلطة في مؤسسة الرئاسة مع ضعف النمو والاستثمار، وتدهور الخدمات، وانحسار ثقة المواطنين في الأحزاب والنقابات والمؤسسات التمثيلية. ومن ثمّ لا يمكن تفسير المرحلة بمنطق الصراع الثنائي بين قيس سعيّد ومعارضيه.
ويستند هذا المقال / الدراسة إلى منهج التقييم الاستراتيجي الذي يميز بين أربعة مستويات: الموارد التي يمتلكها كل فاعل، والقدرة الفعلية على توظيفها، والشرعية التي يستند إليها، ونقاط الضعف التي تحد من حركته. فامتلاك تنظيم واسع لا يعني بالضرورة امتلاك المبادرة السياسية، كما أن السيطرة المؤسسية لا تضمن شرعية اجتماعية مستدامة.
تُقرأ الأزمة كذلك من خلال التفاعل بين ثلاثة أنساق: النسق السياسي المتعلق بتوزيع السلطة، والنسق الاقتصادي المتعلق بإنتاج الموارد وتوزيعها، والنسق الاجتماعي المتعلق بالتفاوت والبطالة والخدمات. وكل اضطراب يقع في أحدها ينتقل إلى النسقين الآخرين، بما يجعل الأزمة التونسية مركبة وقابلة للتسارع غير الخطي.
لو تطرقنا الى السيناريوهات المحتملة فان المقصود بالسيناريو هنا ليس التنبؤ القطعي، بل بناء صورة منطقية لمسار محتمل استناداً إلى اتجاهات قائمة. أما النسب الواردة فهي تقديرات تحليلية مشروطة بالمعطيات المتاحة في اوت 2026، وليست احتمالات رياضية ثابتة؛ ويمكن أن تتغير سريعاً إذا وقعت صدمة مالية أو اجتماعية أو أمنية كبرى.
تتحدد حركة تطور الأوضاع في تونس خلال 2026–2028 أساساً بخمسة متغيرات: قدرة الرئاسة على المحافظة على تماسك أجهزة الدولة، موقف الاتحاد العام التونسي للشغل، تطور الوضع المالي والخدماتي، قدرة المعارضة على بناء بديل جامع، واتجاه المؤسسة الأمنية والعسكرية عند اتساع الاحتجاج.
وتتمثل الفكرة المركزية هنا في أن قوة السلطة الراهنة هي، في جانب مهم منها، نتيجة ضعف البدائل وتشتتها، وليست فقط نتيجة ارتفاع التأييد الشعبي. وفي المقابل، فإن ضعف المعارضة لا يعني زوال المجتمع السياسي، بل يعكس الفجوة بين الغضب الاجتماعي المتنامي وبين القدرة على تحويله إلى قوة وطنية فاعلة ومنظمة.
2- بنية الأزمة التونسية
أعاد مسار 25 يوليو/تموز 2021 ودستور 2022 تشكيل النظام حول مركز رئاسي قوي، في مقابل إضعاف البرلمان والحكومة والأحزاب والهيئات الوسيطة. وأصبحت الرئاسة تمتلك سلطة المبادرة وتحديد جدول الأعمال، بينما باتت بقية المؤسسات أقرب إلى أدوات تنفيذ أو مصادقة منها إلى مراكز مستقلة لصنع القرار.
غير أن مركزية القرار لم تنتج مركزية فعالة في الإنجاز. فقد أصبح الرئيس مسؤولاً سياسياً ورمزياً عن معظم مجالات الأداء العام، من الأسعار والتشغيل إلى الماء والكهرباء والنقل. وكلما تقلص استقلال المؤسسات، أصبح من الأصعب تحميل مسؤولية الإخفاق لفاعلين آخرين، فتحولت القوة الدستورية إلى عبء مساءلة اجتماعية.
سجل الاقتصاد التونسي نمواً بنسبة 2.5% سنة 2025، ثم نمواً سنوياً قدره 2.6% في الربع الأول و2.3% في الربع الثاني من 2026، لكن الناتج تراجع فصلياً بنسبة 0.3% في الربع الأول. وهذا يعني تدرجا محدوداً لا يرقى إلى طفرة قادرة على معالجة الاختلالات البنيوية أو توفير فرص عمل واسعة.
انخفض معدل البطالة الإجمالي من 15% في الربع الأول إلى 14.9% في الربع الثاني من 2026، لكن بطالة خريجي التعليم العالي ارتفعت إلى 26.6%، ووصلت لدى الخريجات إلى 35.6%. تكشف هذه الفجوة أن المشكلة ليست نقص العمل فقط، بل تعطل آلية الإدماج الاجتماعي للطبقات المتعلمة.
لذلك يمكن أن يتحسن النمو الكلي بينما يزداد الشعور بالأزمة. فالمواطن يقيس الاقتصاد بالأسعار والدخل والنقل والدواء والماء وفرص أبنائه، لا بنسبة الناتج المحلي وحدها. وإذا لم يتحول النمو إلى تشغيل وخدمات واستثمار جهوي، فسوف تفقد المؤشرات الإيجابية أثرها السياسي.. أظهرت انقطاعات الكهرباء والماء خلال صيف 2026 كيف تستطيع أزمة خدمية أن تتحول إلى احتجاج سياسي. فقد جمعت التحركات بين الغضب من تدهور المرافق والمطالبة برحيل الرئيس والإفراج عن المعتقلين، بما يشير إلى بداية اتصال المسألة الاجتماعية بالمسألة الديمقراطية.
ولا يعني هذا الاتصال أن البلاد دخلت وضعاً ثورياً. فالغضب واسع لكنه غير موحد، والاحتجاجات متقطعة، والقيادة الوطنية البديلة غائبة، والخوف من الفوضى أو عودة صراعات ما قبل 2021 لا يزال مؤثراً. ولذلك تبدو تونس أقرب إلى أزمة استنزاف قابلة للتسييس منها إلى ثورة مكتملة الشروط.
ويمثل تقلص المجال المدني والإعلامي عاملاً إضافياً في الأزمة. فقد حذرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ماي 2026 من اتساع الإجراءات القمعية ضد منظمات المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن الحقوق. ويقلل ذلك فرص التسوية، لأن إضعاف الوسطاء يدفع الصراع نحو المواجهة المباشرة.
. يتمثل أخطر تناقض في وجود دولة لا تزال قوية في الضبط الأمني والإداري، لكنها أضعف في التنمية والخدمات. وهذه الصيغة تستطيع تأخير الانفجار، لكنها لا تستطيع إنتاج رضى مستدام؛ إذ يصبح المواطن خاضعاً لدولة يراها حاضرة عند المنع والعقاب وغائبة عند التشغيل والرعاية.
3- خريطة القوة العامة
يمكن تقسيم المشهد إلى ثلاث دوائر. تضم الدائرة الأولى الرئاسة والحكومة والإدارة والأجهزة الأمنية، وهي دائرة السيطرة المؤسسية. وتضم الثانية الاتحاد ورجال الأعمال والمنظمات المهنية، وهي دائرة القدرة على تعطيل الاقتصاد أو إنعاشه. أما الثالثة فتضم الأحزاب والمجتمع المدني والشباب، وهي دائرة الشرعية والتعبئة وصناعة البديل.
لا يمتلك أي فاعل بمفرده عناصر الهيمنة الكاملة. فالرئاسة تملك الدولة ولا تملك عقداً اجتماعياً جديداً؛ والاتحاد يملك شبكة تنظيمية ولا يملك مشروع حكم؛ والمعارضة تملك خطاباً ديمقراطياً ولا تملك قاعدة موحدة؛ ورجال الأعمال يملكون الموارد ولا يملكون شرعية شعبية؛ والشباب يملكون طاقة الاحتجاج دون قيادة مستقرة.
ويمنح هذا التوازن السلبي النظام قدرة على البقاء، لكنه يمنع الاستقرار الحقيقي. فكل طرف يستطيع تعطيل خصمه جزئياً، ولا يستطيع بناء نظام بديل منفرداً. وتصبح النتيجة حالة من "توازن العجز" يمكن أن تستمر سنوات أو تنكسر فجأة بفعل صدمة غير محسوبة.
4- خريطة الفاعلين وموازين قدراتهم
أولا: قيس سعيّد ومركز الرئاسة
يمثل قيس سعيّد مركز النظام، لكنه لم يبنِ حزباً حاكماً بالمعنى التقليدي. ترتكز سلطته على الشرعية الانتخابية الأصلية، ودستور رئاسي، وأجهزة الدولة، وخطاب يقوم على استعادة السيادة ومحاربة الفساد واتهام النخب والوسطاء بتخريب الإرادة الشعبية.
تمنحه هذه البنية مرونة في إبعاد المسؤولين وتغيير الحكومات دون تغيير رأس النظام. لكنها تفتقر إلى جهاز سياسي قادر على شرح القرارات وتنظيم الأنصار وامتصاص المطالب. ولذلك تبقى العلاقة بين الرئيس والمجتمع مباشرة ورمزية ومتقلبة، لا مؤسساتية ومستقرة.
ما زالت للرئيس قاعدة اجتماعية نسبية ترى فيه خصماً للمنظومة الحزبية القديمة وحامياً للدولة من الفساد والتبعية. وهي قاعدة تتغذى أيضاً من رفض النهضة، ومن شعار الوطنية الاجتماعية، ومن التوجس من التمويل الأجنبي، ومن الاعتقاد بأن الأزمة نتيجة مؤامرات وشبكات داخل الإدارة والاقتصاد.
لكن هذه القاعدة ليست كتلة متجانسة. فمنها مؤيدون أيديولوجيون لمشروع البناء القاعدي مثل القوميين والوطد، ومنها مواطنون يريدون دولة قوية، ومنها معادون للإسلاميين، ومنها فئات لم تجد بديلاً أفضل. لذلك يمكن أن تتآكل دون أن تنتقل تلقائياً إلى المعارضة القائمة.
وتكمن قوة الرئيس الأساسية في تشتت خصومه وفي خوف جزء من المجتمع من العودة إلى نظام ما قبل 2021. أما نقطة ضعفه الكبرى فهي ارتباط معظم النتائج السياسية والاقتصادية بشخصه، خصوصاً بعد إضعاف مراكز القرار المنافسة.
يميل خطاب الرئاسة إلى تفسير الأزمات بواسطة الفساد والاحتكار والتآمر والتدخل الخارجي. وقد يحافظ ذلك على تعبئة الأنصار مدة معينة، لكنه يفقد فعاليته إذا استمرت أزمات الماء والطاقة والدواء والأسعار؛ لأن المواطن ينتقل تدريجياً من سؤال "من يتآمر؟" إلى سؤال "من يحكم؟".
يحتاج سعيّد إلى ثلاثة شروط للاستمرار حتى 2028 دون أزمة كبرى: حد أدنى من التمويل العمومي، تماسك الأجهزة، ومنع تشكل جبهة اجتماعية سياسية موحدة. وأي تصدع متزامن في شرطين منها يمكن أن ينقل النظام من السيطرة إلى الدفاع.
السيناريو المفضل للرئاسة هو احتواء الغضب بإجراءات اجتماعية محدودة، واستبدال مسؤولين، وتقديم ملفات فساد، مع استمرار إغلاق المجال السياسي. لكن نجاحه يتوقف على الموارد؛ فسياسة التوزيع الاجتماعي تحتاج إلى تمويل، وسياسة الضبط وحدها لا تنتج ولاءً مستداماً.
. ولا تبدو الرئاسة مستعدة حالياً لحوار يضع جوهر النظام السياسي موضع تفاوض. ولذلك فإن أي انفراج أولي، إن حصل، قد يبدأ بالعفو أو تخفيف الملاحقات أو فتح المجال الإعلامي، لا بتعديل دستوري شامل.
ثانياً: الاتحاد العام التونسي للشغل
يظل الاتحاد العام التونسي للشغل أكثر تنظيم اجتماعي انتشاراً وقدرة على التحرك الوطني. ففروعه القطاعية والجهوية تمنحه حضوراً لا تمتلكه الأحزاب، كما تتيح له الإضرابات التأثير المباشر في النقل والتعليم، والصحة، والإدارة، والإنتاج.
غير أن قوة الاتحاد ليست مطلقة. فهو يواجه خلافات داخلية حول القيادة والمؤتمر والمدة النقابية، وانتقادات تتعلق بالبيروقراطية والدفاع عن القطاع العام دون صياغة مشروع اقتصادي شامل، إضافة إلى انحسار حضوره بين العاملين في الاقتصاد غير المنظم والعاطلين والشباب.
اتسم موقف الاتحاد من مسار 25 جويلية بالتدرج: قبول أولي بتصحيح المسار، ثم تحفظ على الانفراد بالسلطة، ثم توتر متزايد حول الحوار، والحقوق النقابية ،والأجور والإضرابات. وهذا الإرث يجعل انتقاله إلى المعارضة الشاملة صعباً، لكنه يجعله أيضاً مؤهلاً للوساطة إذا توفرت شروطها.
وقد أظهرت أزمة قطاع النقل واحتجاج اوت 2025 أن الاتحاد ما زال قادراً على التعبئة، وأن استهداف مقره أو المطالبة بتعليقه يمكن أن يوحّد تياراته المتنازعة. وقد تظاهر آلاف دفاعاً عن الحقوق النقابية والحريات المدنية.
وبناء عليه تكون أمام الاتحاد ثلاثة خيارات: التكيف مع السلطة لحماية وجوده، أو قيادة مواجهة اجتماعية، أو لعب دور وسيط في تسوية وطنية. الخيار الأول يهدد مصداقيته، والثاني يعرضه للاستنزاف، والثالث يحتاج إلى قبول من الرئاسة والمعارضة وإلى إصلاح داخلي يعيد الثقة بقيادته.
نقطة التحول ستكون انتقال الاتحاد من المطالب القطاعية إلى الربط بين الحقوق الاقتصادية والحريات العامة. فإذا دعا إلى إضراب عام سياسي اجتماعي ونجح فيه، فسيتغير ميزان القوة. أما إذا عجز عن تنفيذ إضراب معلن أو ظهرت انشقاقات كبيرة، فسيتراجع دوره الوطني.
لا يستطيع الاتحاد وحده حكم البلاد، لكنه يستطيع منع استقرار أي نظام يعاديه، كما يستطيع توفير المظلة التنظيمية لانتقال تفاوضي. ولذلك سيكون موقفه المتغير الأكثر تأثيراً في تحديد مسار 2027.
ثالثاً: حركة النهضة
تدخل النهضة المرحلة وهي أضعف مؤسسياً مما كانت عليه منذ 2011. فقد فقدت حضورها البرلماني العلني، وسُجنت قيادتها التاريخية وعدد من كوادرها، وانكمش نشاطها التنظيمي، كما تحمل إرثاً ثقيلاً من أخطاء تجربة الحكم والتوافق وإدارة الدولة.
وقد. شددت الأحكام الصادرة في 2026 الضغط على الحركة؛ إذ رفعت محكمة الاستئناف حكماً بحق رئيس النهضة ورئيس البرلمان الديمقراطي الشرعي راشد الغنوشي، فيما أعلنت النهضة في أفريل 2026 تدهور صحته ونقله إلى المستشفى. وتحوّل وضع قيادتها بذلك إلى ملف حقوقي وإنساني وسياسي في آن واحد.
. مع ذلك لا تعني هشاشة الحركة زوال شبكاتها الاجتماعية أو رصيدها الانتخابي المتبقي. فالتنظيمات ذات الهوية التاريخية تستطيع البقاء زمنياً تحت الضغط، خصوصاً عندما يتحول السجن إلى عامل تضامن داخلي. لكن البقاء التنظيمي لا يساوي بالضرورة امتلاك القدرة والإرادة على استعادة الدور السابق.
وتواجه النهضة أزمة ثقة مزدوجة: لا تثق بها قطاعات علمانية ويسارية بسبب تجربة الحكم، ولا يثق بها جزء من قاعدتها بسبب التنازلات والتوافقات وضعف المراجعة. ولذلك فإن تقديم نفسها بوصفها ضحية فقط لن يكون كافياً لبناء مستقبلها.
يتطلب تجدد الحركة نقداً معلناً لتجربة 2011–2021، وتداولاً قيادياً، وفصلاً أوضح بين الديني والحزبي، وبرنامجاً اقتصادياً اجتماعياً، وقبولاً بدولة مدنية لا تحتكر فيها أي جماعة تمثيل الإسلام أو الثورة. بما لا يعني التخلي عن المشروع الوطني للإسلام الديمقراطي لكنه مشروع لا تخنقه ميتافيزيقا استعادة الماضي ولا رومنسية البديل المتخيل والميتا-سياسي، بل مشروع يراهن على الارتباط عضويا بالديناميك الاجتماعي والتاريخي والجغراسياسي.
ويمكن أن تتطور النهضة إلى حزب ديمقراطي تقدمي ، أو تندمج في ائتلاف أوسع، أو تنقسم إلى تيار دعوي وآخر سياسي، أو تتحول إلى شبكات مقاومة حقوقية. أما عودتها السريعة بصورتها التنظيمية والقيادية القديمة فتبدو ضعيفة الاحتمال.
وتكمن مصلحتها الاستراتيجية هي منع اختزال المعركة الديمقراطية فيها. فإذا تصدرت المعارضة وحدها، استطاعت السلطة إعادة إنتاج الاستقطاب الإسلامي–العلماني. أما إذا قبلت دوراً متكافئاً داخل جبهة مدنية متعددة، فقد تسهم في توسيعها دون إثارة المخاوف القديمة.
ويطرح سؤال استراتيجي هنا مفاده كيف يمكن لحركة النهضة ان تستعيد ثقة الشعب في مشروعها الاسلامي الديمقراطي والمدني دون وصاية ان تسلط كهنوتي وكيف يمكن للنهضة ان تبني مشروعا في الاقتصاد السياسي والاجتماع السياسي يستجيب لتطلعات الشرائح الشعبية والشبابية ويعالج ما اصاب الدولة والمجتمع من هشاشة وترهل؟
واجابة عن ذلك أرى ضرورة الانطلاق من نقد ذاتي صريح لا من حملة اتصالية جديدة: لا تستطيع حركة النهضة استعادة ثقة التونسيين بمجرد تحسين خطابها أو تغيير شعاراتها؛ فالأزمة تتصل بتجربة الحكم وبالفجوة بين الوعود والنتائج. وقد ارتبطت الديمقراطية في الوعي الشعبي خلال عشرية الانتقال بسوء الإدارة، والصراعات الحزبية، واستمرار البطالة والتفاوت الجهوي والفساد، وحُمّلت النهضة، إلى جانب بقية أحزاب الحكم، مسؤولية معتبرة عن ذلك. لذلك ينبغي أن تصدر الحركة وثيقة تقييم علنية لتجربتها بين 2011 و2021، تحدد الأخطاء والمسؤوليات والقرارات البديلة، وتعتذر عن التقصير من دون التنصل من الإنجازات أو إلقاء المسؤولية كلها على خصومها. فالاعتراف السياسي المسؤول هو المدخل الأول لاستعادة المصداقية، لا علامة ضعف أو هزيمة.
إعادة تعريف المشروع الإسلامي الديمقراطي: المطلوب أن تنتقل النهضة من تقديم نفسها بوصفها حارسة لهوية المجتمع إلى اعتبار الإسلام مرجعية قيمية مفتوحة تستلهم العدل والحرية والكرامة والتكافل، من دون ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية أو احتكار تمثيل المسلمين. فالإسلام الديمقراطي المدني لا يجعل الحزب وسيطاً بين الإنسان وربه، ولا يمنح العلماء أو القيادات التنظيمية سلطة مقدسة، ولا يقسم المجتمع إلى إسلاميين وغير إسلاميين؛ بل يأسس للمواطنة المتساوية، وسيادة الشعب، والتداول السلمي، وحرية الاعتقاد والضمير، واستقلال الدولة عن الوصاية الدينية. فذكر إنما أنت مذكر ( 21 ) لست عليهم بمسيطر / الغاشية/( 22 ) وتُقاس إسلامية المشروع هنا بمقدار إنصافه للفقراء وتطويره للمقدرات الوطنية والأخلاقية وصونه للحريات ونزاهة مسؤوليه، لا بكثافة شعاراته الدينية.
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ.
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ.
فَكُّ رَقَبَةٍ.
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ.
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ.
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ.
ثم
كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ./سورة البلد 11-18/
فالإسلام لا يعرف كنيسة تحتكر الخلاص، لكن التنظيمات الدينية قد تنتج، من حيث لا تشعر، كهنوتاً سياسياً عندما يتحول رأي قادتها إلى طاعة شرعية، ويتحول النقد إلى خروج عن الجماعة، والتوازنات التنظيمية إلى أسرار لا يطلع عليها المواطن. وهو ما تجاوزته ويمكن ان تتجاوزه حركة النهضة ولذلك تحتاج النهضة إلى فصل واضح بين الديني والحزبي، ومنع استعمال المساجد والجمعيات الدينية في المنافسة الانتخابية، وعدم توظيف الفتوى لإضفاء الشرعية على المواقف السياسية. كما ينبغي أن تخضع القيادة للقانون الأساسي للحزب، وللمحاسبة الدورية، وتحديد الولايات، والتداول الحقيقي؛ لأن الحزب المدني لا يحتكم إلى قداسة الأشخاص، بل إلى شرعية الانتخاب والإنجاز.
إصلاح التنظيم قبل مطالبة المجتمع بالثقة: لا يمكن لحزب غير ديمقراطي داخلياً أن يقنع الناس بأنه سيدافع عن الديمقراطية في الدولة. ولهذا ينبغي تنظيم مؤتمر تجديدي تُنتخب فيه القيادة من القواعد بصورة تنافسية وشفافة، مع نشر قواعد التمويل والحسابات والتبرعات، وإقرار حد أقصى للولايات القيادية، وتمكين هيئة مستقلة من مراقبة الانتخابات الداخلية. كما يتعين منح النساء والشباب والجهات الداخلية تمثيلاً فعلياً لا صورياً، وإقرار حق التيارات الفكرية المنظمة داخل الحزب، وحماية المخالفين من الإقصاء والتشهير. إن تجديد الوجوه وحده غير كاف؛ المطلوب تغيير قواعد إنتاج القيادة وصنع القرار.
تحويل الحركة من حزب هوية فحسب إلى حزب منفعة عامة: التونسي الذي يعاني البطالة أو غلاء الأسعار أو تدهور النقل والصحة لا ينتظر جواباً عقائدياً، بل سياسة عامة قابلة للتنفيذ. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن البطالة العامة في تونس بلغت قرابة 15.1% سنة 2025، في حين قاربت بطالة الشباب 38.1%، وهي أرقام تجعل المسألة الاجتماعية معيار الشرعية السياسية الأول. لذلك ينبغي أن تتمحور هوية النهضة الجديدة حول الكفاءة الاقتصادية، والنزاهة، والعدالة المجالية، وجودة المرافق، بدلاً من الاستقطاب بين الإسلاميين والعلمانيين.
بناء اقتصاد سياسي للإنتاج لا لتوزيع الندرة: تحتاج النهضة إلى مغادرة البراغماتية الحكومية التي أدارت المنوال القائم من دون تغييره، وصياغة برنامج اقتصادي اجتماعي يمتد عشر سنوات، هدفه نقل تونس من اقتصاد الاستيراد والريع والامتيازات إلى اقتصاد الإنتاج والقيمة المضافة. ويرتكز هذا البرنامج على السيادة الغذائية، والصناعات الزراعية، والدواء، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، والخدمات الصحية والتعليمية المصدّرة، والصناعات الميكانيكية والإلكترونية. ولا يعني ذلك الانغلاق عن السوق العالمية، بل إعادة التفاوض على موقع تونس داخلها، وربط الحوافز الجبائية والاستثمارية بنسبة التشغيل المحلي ونقل التكنولوجيا والتصدير والتنمية الجهوية. والتجه المعلن نحو افق فدرالي مغاربي في العملة، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة.
إعادة بناء العقد الاجتماعي على العدالة الجبائية: لا يمكن تمويل دولة اجتماعية عبر الضغط المستمر على الأجراء والمؤسسات المنظمة، بينما تتسع دائرة التهرب والاحتكار والاقتصاد الموازي. ينبغي أن تقترح النهضة ضريبة أكثر تصاعدية على الدخل والثروة العقارية الكبيرة والأرباح الاحتكارية، مع رقمنه الإدارة الجبائية، ومراجعة الامتيازات غير المنتجة، ومقاومة التهريب من خلال دمج الفاعلين الصغار تدريجياً لا تجريمهم جماعياً. وفي المقابل، يجب تخفيف العبء عن المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تشغل الشباب، وربط المصالحة الاقتصادية باسترجاع المال العام والكشف عن المستفيدين، لا بعفو شامل يعيد إنتاج اقتصاد الريع والنفوذ.
إصلاح المؤسسات العمومية بعيداً عن ثنائية التفويت أو الإفلاس: ينبغي رفض الخصخصة العشوائية، لكن الدفاع عن القطاع العام لا يعني حماية سوء الإدارة والتوظيف الزبوني. تستطيع النهضة طرح عقود أداء معلنة لكل مؤسسة عمومية، ومجالس إدارة مهنية، وتدقيق مستقل، ونشر دوري للبيانات، وفصل التعيينات عن المحاصصة الحزبية. وتُصنَّف المؤسسات إلى استراتيجية يجب تطويرها، وقابلة للإصلاح عبر الشراكة، ومتعثرة لا مبرر لاستمرارها بصيغتها الحالية، مع حماية العمال وإعادة تأهيلهم. وهكذا يصبح الإصلاح دفاعاً عن الملكية العامة وجودة الخدمة معاً، لا غطاءً للتفويت ولا ذريعةً لتأبيد العجز.
جعل الجهات الداخلية مركزاً للنمو لا مجرد موضوع للتعويض: لا تعالج الفوارق بين الساحل والداخل بمنح ظرفية أو بخطاب المظلومية، وإنما بتحويل الاستثمار والسلطة والموارد. ويمكن اقتراح صندوق وطني للعدالة المجالية يخضع لرقابة البرلمان والمجالس المنتخبة، ويوزع التمويل وفق مؤشرات البطالة والفقر ونقص التجهيزات. ويجب إنشاء أقطاب إنتاج متخصصة: الصناعات الغذائية في الشمال الغربي والوسط، والطاقة الشمسية والصناعات المرتبطة بها في الجنوب، وتثمين الفوسفات ومشتقاته محلياً، وربط هذه الأقطاب بالجامعات والتكوين المهني والسكك الحديدية. وتبين بيانات البنك الدولي أن الفقر أشد في المناطق الريفية وفي الشمال الغربي والوسط الغربي، مما يفرض اعتماد معيار مجالي واضح للإنفاق العمومي.
صياغة عقد خاص مع الشباب لا التحدث باسمه: الشباب ليس مجرد قطاع انتخابي أو جناح تابع للقيادة؛ بل قوة اجتماعية فقدت الثقة في السياسة بسبب البطالة، والهجرة، والمحسوبية، وانسداد الصعود الاجتماعي. ويقترح المشروع الجديد ضماناً للشغل أو التدريب لمدة محددة بعد التخرج، وحساباً ائتمانياً للشباب يمول مشاريعهم الصغيرة بشروط ميسرة، وحماية اجتماعية للعاملين في المنصات والاقتصاد غير المنظم، ومسالك ثانية لمن انقطعوا عن التعليم. وتشير تقديرات حديثة إلى أن العمل غير المنظم يشمل نحو 46% من المشتغلين في تونس، ولذلك يجب أن يكون الإدماج في الاقتصاد المنظم تدريجياً ومصحوباً بالحماية والتكوين، لا قائماً على العقوبات فقط.
إصلاح التعليم بوصفه قلب المسألة الاجتماعية: هشاشة الدولة تبدأ حين تعجز المدرسة العمومية عن إنتاج المعرفة والمواطنة والقدرة على العمل. وعلى النهضة أن تقترح ميثاقاً وطنياً للتعليم يتجاوز مدة الحكومات، ويعيد الاعتبار إلى المدرسة الأساسية، واللغات، والعلوم، والتفكير النقدي، والفنون، والتكوين المهني. كما ينبغي ربط الجامعات بحاجات الجهات ومشروعاتها الإنتاجية، وتمويل البحث التطبيقي، وإحداث نظام تدريب تعاقدي بين المؤسسة التعليمية والمؤسسة الاقتصادية. ويجب أن يحمي هذا الإصلاح استقلال المعرفة من رقابة الدولة والحزب والمؤسسة الدينية معاً، لأن العقل الحر ليس خطراً على الدين، بل شرط لتدين ناضج ولمواطنة مسؤولة.
إعادة بناء الدولة لا السيطرة عليها: من أخطر أخطاء أحزاب ما بعد الثورة أنها تعاملت أحياناً مع الدولة باعتبارها مجالاً لتقاسم التعيينات، بينما يحتاج المجتمع إلى إدارة محايدة وفعالة. ينبغي أن تتعهد النهضة بمنع المحاصصة، واعتماد الكفاءة والمناظرات والشفافية، ورقمنه الخدمات، وتبسيط التراخيص، وتقليص آجال التقاضي، وتعزيز استقلال القضاء والهيئات الرقابية. كما يجب إصلاح الأمن على أساس المهنية والرقابة القانونية، لا إخضاعه للنقابات والأحزاب ولا تحويله إلى خصم للدولة. فالمشروع الديمقراطي لا يبني «دولة الحزب او دولة النهضة»، وإنما دولة جميع التونسيين التي تستطيع تغيير الحكومات من دون أن تنهار مؤسساتها.
استعادة الثقة عبر العمل المحلي والاجتماعي غير الزبوني: لا يكفي أن تعود الحركة إلى الأحياء في المواسم الانتخابية أو عبر توزيع المساعدات، لأن ذلك يعيد إنتاج علاقة الإحسان والولاء. المطلوب إنشاء مكاتب سياسات محلية تستمع إلى السكان، وتنشر تشخيصاً لمشكلات كل معتمدية وميزانيتها وحلولها الممكنة، ثم تحاسب منتخبي الحركة على ما أنجزوه. ويمكن إشراك النقابات والجمعيات والتعاونيات والجامعات والمبادرات البيئية في بلورة الحلول من دون إخضاعها تنظيمياً. وتفيد نتائج البارومتر العربي بأن ثقة الشباب التونسي في منظمات المجتمع المدني أعلى من ثقة الأكبر سناً بها، وهو ما يجعل الشراكة المدنية المستقلة جسراً مهماً نحو الأجيال الجديدة.
بناء كتلة ديمقراطية اجتماعية مع المشروع الوطني الإسلامي وحوله، اذ لا يمكن للنهضة أن تستعيد الشرعية إذا قدمت نفسها بديلاً منفرداً أو ضحية وحيدة، بل عليها الانخراط في جبهة مبادئ تضم الديمقراطيين واليسار الاجتماعي والقوميين والنقابيين والمستقلين، على أساس الحريات واستقلال القضاء والتداول السلمي والعدالة الاجتماعية. ويجب أن تعترف داخل هذه الجبهة بحق شركائها في النقد الموضوعي المتبادل بين الإسلام السياسي ونظرائه، وهو نقد يزيدها قوة وقدرة على التطوير والقابلية المراجعة كلما اقتضى سياق الحاجة ومنطقها، مع العمل على ضبط ضمانات تمنع أي حزب من احتكار الدولة. وفي المقابل، تدافع عن حرية التنظيم لجميع القوى السلمية والديمقراطية. إن تجاوز الاستبداد لا يتحقق باستبدال مركز سياسي بآخر، وإنما بإقامة توازن مؤسسي يمنع عودة الحكم الفردي ويصون المجال المدني للجميع.
ربط العودة السياسية بعقد قابل للقياس: تستعيد النهضة الثقة حين تقدم التزامات محددة: نشر حساباتها سنوياً، تجديد نسبة معلومة من قياداتها، منع الجمع بين المسؤولية الدينية والحزبية وهو ما دأبت عليه، تقديم حكومة ظل وبرامج قطاعية، وتحديد أهداف سنوية للتشغيل والفقر، والاستثمار الجهوي، وجودة التعليم والصحة. ويجب أن تصدر تقريراً دورياً يوضح ما تحقق وما تعذر وأسباب التعثر، مع فتحه لنقد خبراء مستقلين. والخلاصة أن مستقبل النهضة لا يتوقف على قدرتها على إثبات أنها «الأكثر إسلامية»، بل على قدرتها على أن تصبح أكثر ديمقراطية وعدلاً وكفاءة وتواضعاً؛ أي أن تنتقل من طلب الثقة باسم الهوية والتاريخ فحسب إلى استحقاقها بالاعتراف والمشاركة والإنجاز.
رابعاً: الأحزاب الديمقراطية والوسطية
وتشمل هذه المساحة التيار الديمقراطي والجمهوري واليسار الديمقراطي وآفاق تونس وأحزاباً وشخصيات دستورية واجتماعية ديمقراطية ومستقلة، فضلاً عن الحزب الدستوري الحر بوصفه حالة خاصة ذات مرجعية دستورية وموقف جذري من الإسلاميين.
تمتلك هذه القوى كفاءات قانونية وإدارية وإعلامية، وتستند إلى خطاب الحريات ودولة القانون، لكنها تفتقر إلى الانتشار المحلي وإلى آلة تنظيمية قادرة على الوصول إلى الأحياء الشعبية والجهات الداخلية. كما أن خلافاتها الشخصية والتاريخية أكبر أحياناً من اختلافاتها البرامجية.
يحتفظ الحزب الدستوري الحر بقدرة على تعبئة نواة منضبطة رغم سجن زعيمته عبير موسي، لكنه يظل أسير معادلة مزدوجة: معارضة سعيّد من جهة، ورفض أي تقارب مع النهضة أو جبهة الخلاص من جهة أخرى. ويمنعه ذلك من المشاركة او قيادة جبهة ديمقراطية واسعة.
أما القوى الاجتماعية الديمقراطية، فمأزقها أنها تتحدث غالباً بلغة دستورية صحيحة، ولكن محدودة الجاذبية الشعبية. فالاستقلال القضائي لا يصبح قضية جماهيرية إلا عندما يرتبط بحماية المواطن من التعسف، وحرية الإعلام لا تتوسع قاعدتها إلا عندما تُربط بخط تحريري موضوعي وحرفي ملتزم بأخلاقيات المهنة ومنها الاعتراف بالاختلاف وادارته بالشفافية المطلوبة ومقاومة الفساد واضطراب الأسعار وضمان الحق في المعلومة.
تستطيع هذه الأحزاب أن تصبح نواة البديل إذا اتفقت على برنامج انتقال محدود زمنياً، لا على حكومة أيديولوجية طويلة المدى. ويشمل ذلك إطلاق المعتقلين، واستقلال القضاء، وضمان الإعلام، وإصلاح القانون الانتخابي، وخطة إنقاذ اقتصادي واجتماعي عاجلة.
وسيكون المؤشر الحقيقي على نضجها قدرتها على الاتفاق مسبقاً مع النهضة لا ضدها على إدارة "اليوم التالي": شكل السلطة الانتقالية، حدود صلاحياتها، موقفها من دستور 2022، الضمانات المقدمة للإدارة والأمن، ومنع الانتقام والإقصاء الجماعي.
خامساً: اليسار الماركسي
يتمتع اليسار برصيد تاريخي في الجامعة والنقابة والحركات الحقوقية، وله قدرة على تفسير الأزمة من زاوية التبعية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الريعي. لكنه يعاني من الانقسامات التنظيمية، وضعف التجدد القيادي، وصعوبة الانتقال من الاحتجاج إلى بناء أغلبية.
انقسم اليسار الماركسي إزاء 25 جويلية بين من رأى فيه فرصة لإزاحة النهضة وتصحيح المسار، ومن اعتبره منذ البداية انقلاباً على الديمقراطية. وأضعف هذا الانقسام قدرته على اتخاذ موقف موحد، كما أتاح للرئاسة استقطاب جزء من كوادره ومفرداته الاجتماعية والسيادية.
يظل الموقف من الإسلاميين عقدته الاستراتيجية. فالتحالف غير المشروط مع النهضة قد يفقده جزءاً من قاعدته، بينما يساهم رفض أي تنسيق حقوقي معها في استمرار السلطوية. والحل الممكن هو التمييز بين التحالف الديمقراطي المحدود وبين الاندماج الأيديولوجي، وهو ما لم تطلبه النهضة.
يمكن لليسار أن يستعيد المبادرة إذا ربط الدفاع عن الحرية ببرنامج ملموس للجباية العادلة، وإصلاح المؤسسات العمومية، ومقاومة الاحتكار، والتنمية الجهوية، والاقتصاد الاجتماعي، والتضامني. واحترام التعدد والاختلاف والجذور الوطنية الإسلامية للشعب والوطن وهو ما بات يؤمن به عدد منهم مع العجز الكلي عن ممارسته ووضعه موضع التنفيذ العملي والعلني. أما الاكتفاء بخطاب الهوية أو الشعارات الطبقية العامة فسيبقيه محدود التأثير.
يملك حزب العمال والتيارات الاجتماعية الراديكالية قدرة احتجاجية وأخلاقية، لكن نفوذها الانتخابي ضعيف. ويمكن أن تتسع إذا ظهرت موجة عمالية أو طلابية مستقلة عن الأحزاب، شريطة أن تنفتح على أجيال جديدة وعلى قضايا البيئة والماء والهجرة والهوية الوطنية والاقتصاد غير المنظم.
سادساً: التيار القومي
تضم التيارات القومية ناصريين وبعثيين وقوميين مستقلين، إضافة إلى شخصيات مؤيدة للرئيس انطلاقاً من خطاب السيادة الوطنية وفلسطين ورفض التدخل الخارجي. وهي موزعة بين المساندة النقدية والمعارضة الاجتماعية.
لقد تقاطعت قطاعات قومية مع سعيّد في مركزية الدولة، ومناهضة الإسلام السياسي، والشك في الغرب والمؤسسات المالية الدولية. لكن استمرار التدهور الاجتماعي وتضييق المجال السياسي قد يدفع بعضها إلى الانفصال عن الرئاسة.
وتعاني التيارات القومية ضعف التنظيم الجماهيري وانقسامها بين الولاء للمحور السيادي وبين متطلبات الديمقراطية الداخلية. كما أن القضايا العربية، رغم رمزيتها العالية، لا تستطيع وحدها إنتاج برنامج للحكم أو معالجة الاقتصاد التونسي.
و سيكون موقف القوميين مهماً في تشكيل شرعية أي جبهة وطنية؛ لأن انضمامهم إلى معارضة ديمقراطية يقلل قدرة السلطة على وصف المعارضة بأنها امتداد للخارج. أما بقاؤهم في الكتلة الرئاسية فيمنحها غطاءً أيديولوجياً يتجاوز شخص الرئيس.
سابعاً: رجال الأعمال ومنظمة الأعراف
لا يشكل رجال الأعمال كتلة واحدة. فهناك المؤسسات المصدرة المرتبطة بأوروبا، والمجموعات العائلية الكبرى، والمقاولات الصغرى والمتوسطة، والتجارة الموازية، وشبكات الريع والامتياز، والمستثمرون في التكنولوجيا والخدمات. ولكل فئة مصالح مختلفة تجاه الدولة والإصلاح.
تتمثل قوة رأس المال في التحكم النسبي في الاستثمار والتشغيل والسيولة والإعلام، لا في التعبئة الشعبية. ولذلك يفضّل معظم رجال الأعمال التكيف الصامت مع السلطة، وتجنب التموضع السياسي المباشر، وطلب الاستقرار القانوني والنفاذ إلى التمويل والأسواق.
وتعاني العلاقة بين السلطة والأعمال من عدم اليقين. فخطاب محاربة الاحتكار والفساد يجد قبولاً شعبياً، لكنه قد يدفع المستثمرين إلى التأجيل إذا غابت القواعد الواضحة والضمانات القضائية. ويصبح الخوف من الملاحقة أو التسويات الفردية عاملاً معطلاً للاستثمار.
تستطيع منظمة الأعراف أن تدعم تسوية وطنية، لكنها أقل قدرة من الاتحاد على فرضها. وقد تشارك في حوار اقتصادي إذا شعرت بأن الأزمة تهدد استمرارية المؤسسات والأسواق، أو إذا نشأ توافق داخلي وخارجي على برنامج إنقاذ.
سيكون تحول رأس المال إلى المعارضة الصريحة مؤشراً متقدماً على ضعف النظام، لكنه غير مرجح قبل ظهور بديل يحمي الملكية والاستقرار. أما استمرار هجرة الكفاءات ورؤوس الأموال وإغلاق المؤسسات فهو شكل من المعارضة الصامتة أشد ضرراً من البيانات السياسية.
ويقتضي أي بديل ديمقراطي طمأنة المستثمر المنتج مع مواجهة الريع والاحتكار. فإذا خلطت المعارضة بين رأس المال المنتج والفساد، فسوف تدفع رجال الأعمال إلى الاحتماء بالسلطة؛ وإذا تجاهلت العدالة الجبائية، فسوف تفقد الطبقات الشعبية.
ثامناً: الجيش والمؤسسة العسكرية
حافظ الجيش التونسي تاريخياً على طابع مهني وعلى مسافة نسبية من الحكم المباشر، بخلاف تجارب عربية أخرى. وتنبع شرعيته من دوره الدفاعي ومساهمته في مواجهة الإرهاب وحماية الحدود وإسناد الدولة أثناء الكوارث والأزمات.
ولا توجد مؤشرات كافية على رغبة المؤسسة العسكرية في التحول إلى حزب حاكم. ومصلحتها المؤسسية تكمن في استمرار الدولة وتجنب الانقسام الداخلي وعدم التورط في قمع اجتماعي واسع يمكن أن يضر صورتها ووحدتها.
مع ذلك، ازدادت أهمية الجيش بعد 2021 بسبب مركزية الرئاسة واستمرار حالة الطوارئ والتحديات الحدودية والإرهابية. كما تجعل الشراكات الأمنية الدولية والتدريب والتسليح المؤسسة عنصراً مهماً في حسابات الاستقرار، وإن بقي دورها السياسي غير معلن.
في أزمة وطنية كبرى، يُرجح أن يحاول الجيش حماية المنشآت والمؤسسات ومنع الانهيار، لا الاستيلاء المباشر على الحكم. لكنه قد يصبح ضامناً لانتقال أو تسوية إذا فقدت المؤسسات الأمنية القدرة على الضبط، أو إذا انقسمت النخبة الحاكمة، أو حدث فراغ دستوري.
وتتمثل مؤشرات الإنذار المرتبطة به في إسناد إدارة قطاعات مدنية إليه بصورة متزايدة، أو ظهور ضباط في خطاب سياسي، أو تغييرات غير عادية في القيادة، أو انتشار واسع خارج المهمات الأمنية المألوفة. وحتى الآن يبقى سيناريو الانقلاب العسكري المباشر ضعيفاً.
تاسعا: الأجهزة الأمنية
تشمل الأجهزة الأمنية الشرطة والحرس الوطني وأجهزة الاستعلام والسجون ووحدات مكافحة الإرهاب. وهي أكثر اتصالاً بالحياة اليومية والصراع السياسي من الجيش، وتمتلك الانتشار والمعلومات والقدرة على تفكيك المظاهرات ومراقبة التنظيمات.
استفادت الأجهزة، وخاصة الحرس وخفر السواحل، من دعم أوروبي مرتبط بمكافحة الهجرة غير النظامية. ويمنح ذلك السلطة مورداً وشراكة خارجية، لكنه يعرض الأجهزة أيضاً لانتقادات حقوقية ويجعل أوروبا شريكاً في معادلة الاستقرار الأمني.
ولا ينبغي التعامل مع الجهاز الأمني ككتلة أيديولوجية موحدة. فداخله مصالح مهنية ونقابية وقيادية ومادية، وقد يظهر التمايز بين تنفيذ القانون والدخول في الصراع السياسي. لكن غياب رقابة مؤسساتية قوية يزيد خطر الاستخدام السياسي للأمن.
فقدرة النظام على الاستمرار مرتبطة بانضباط هذه الأجهزة، وتوفر رواتبها وتجهيزاتها، وعدم شعورها بأن القيادة السياسية تحملها وحدها كلفة الأزمة. فإذا اتسعت الاحتجاجات سلمياً وأصبحت عابرة للجهات والطبقات، سترتفع كلفة القمع وتتزايد أهمية موقف القيادات الأمنية الوسطى.
لذلك وجب أن يقدم أي مشروع انتقال ضمانات واضحة للأمنيين: عدم الانتقام الجماعي، ومحاكمة الانتهاكات الفردية وفق القانون، وإصلاح مهني تدريجي، وحماية المؤسسة من التوظيف الحزبي. فخطاب تفكيك الأجهزة سيدفعها إلى مقاومة الانتقال، بينما الإفلات الشامل من المحاسبة يعيد إنتاج الأزمة.
تاسعا: المجتمع المدني والإعلام
يضم المجتمع المدني الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهيئات المحامين والصحفيين والقضاة والجمعيات النسوية والتنموية والرقابية، إضافة إلى منظمات محلية صغيرة. وقد كان هذا المجال أحد أعمدة الانتقال بعد 2011 ومنتجاً أساسياً للخبرة والرقابة والوساطة.
يواجه المجتمع المدني في 2026 تضييقاً قانونياً وإدارياً ومالياً، مع خطاب يتهم بعض المنظمات بالارتباط بالخارج. وقد وثقت تقارير حقوقية تضييق المجال المدني والتحقيقات والقيود المتزايدة على النشاط والتمويل.
وقوته الأساسية تكمن في الشرعية الحقوقية والخبرة وشبكات العلاقات الوطنية والدولية، لكن ضعفه يكمن في التركز بالعاصمة، والاعتماد الجزئي على التمويل الخارجي، وضعف الارتباط بالمطالب الاجتماعية في الأحياء والجهات.
يستطيع المجتمع المدني بناء الجسر المفقود بين الحريات والحاجات اليومية: الحق في الماء، والشفافية في توزيع الموارد، ومراقبة الميزانية، والدفاع عن الموقوفين، وتوثيق الانتهاكات. وعندما تنتقل الحقوق من لغة النخبة إلى مراقبة الخدمات تتسع قاعدتها الاجتماعية.
أما الإعلام، فيواجه القوانين الزجرية والضغوط الاقتصادية والاستقطاب وفقدان الثقة. ويتوقف دوره المستقبلي على قدرته على إنتاج تحقيقات مهنية حول الإدارة والفساد والخدمات، لا على التحول إلى منصة دعائية للسلطة أو المعارضة.
عاشرا: الشباب
الشباب هو أكبر قوة كامنة وأقل القوى تنظيماً. فهو لا يشكل كتلة أيديولوجية واحدة، بل يضم الخريجين العاطلين، والعاملين في الاقتصاد الهش، والمهاجرين المحتملين، ورواد الأعمال، والنشطاء المحليين، والشباب المحافظ أو الراديكالي أو اللامبالي.
كان الشباب قوة أساسية في ثورة 2011، لكنه وجد نفسه لاحقاً خارج مؤسسات القرار. وقد عزز فشل الأحزاب في التجديد القيادي شعوره بأن السياسة مجال لنخب تتبادل المواقع ولا تغير شروط الحياة.
يتخذ احتجاج الشباب أشكالاً مختلفة: المقاطعة الانتخابية، والهجرة، والاحتجاج المحلي، والهجرة غير النظامية، والعمل الرقمي، والسخرية السياسية، وأحياناً العنف المحدود ضد الممتلكات أو قطع الطرق.
البطالة المرتفعة بين خريجي الجامعات تجعل الشباب المتعلم مصدراً للاحتجاج وللهجرة في آن واحد. فإذا ظلت الهجرة مفتوحة نسبياً فإنها تمتص جزءاً من الضغط؛ أما إذا انسدت قنواتها بالتزامن مع تدهور الداخل فقد يتحول الانسحاب إلى انفجار.
لا تستطيع الأحزاب استقطاب الشباب بمجرد إنشاء مكاتب شبابية. المطلوب تغيير آليات القيادة والترشح والتمويل، وتمكين المبادرات المحلية، وربط السياسة بقضايا السكن والنقل والبيئة والاقتصاد الرقمي والثقافة.ورغم وجود مخزون بشري وخبرات شبابية استراتيجية في الاتحادات الطلابية وفي نواد ومنتديات في الحركة الطلابية يوجد نوع من العجز لدى شباب الأحزاب في الاستفادة من تلك الأرصدة والتشبيك الوطني معها.
و الخطر الأكبر أن يبقى الشباب قوة سلبية تهدم الشرعيات من دون أن تبني بديلاً، أو أن تستثمر الغضب شبكات التطرف والجريمة والهجرة. أما الفرصة فهي ظهور قيادة شبابية عابرة للأيديولوجيات تنطلق من الجهات وتستخدم شبكات التواصل في التنظيم الفعلي، لا في التعبير فقط.
5- ميزان القوة العام
تتصدر الرئاسة ميزان القوة الصلبة بفضل القانون والإدارة والأمن، بينما يتصدر الاتحاد القوة التنظيمية الاجتماعية. وتمتلك النهضة بقايا أقوى شبكة حزبية، وتملك الأحزاب الديمقراطية رأسمالاً قانونياً ونخبوياً، ويملك رجال الأعمال الموارد الاقتصادية، فيما يمتلك الشباب القدرة الأكبر على المفاجأة.
وتكشف المعطيات الإحصائية أن السلطة تملك التفوق في أدوات الإكراه، لكن خصومها يملكون قدرة موزعة على التعطيل والاحتجاج ونزع الشرعية. ولا يصبح هذا التوزيع تهديداً فعلياً إلا إذا اتصلت القوة النقابية بالاحتجاج الشبابي والخبرة المدنية والبديل الحزبي.
لا توجد حتى الآن كتلة معارضة قادرة منفردة على تغيير النظام. وفي المقابل، لا تستطيع الرئاسة حل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بأدوات الضبط وحدها. لذلك يتجه المشهد إلى توازن اختلالي: سلطة قادرة على المنع أكثر من الإنجاز، ومعارضة قادرة على الاعتراض أكثر من الحكم.
6- السيناريوهات 2026–2028
السيناريو الأول: الاستنزاف السلطوي المستقر — 38%
يقوم هذا السيناريو، وهو الأكثر ترجيحاً، على استمرار النظام الحالي من دون انفراج حقيقي أو انهيار. تحافظ الرئاسة على تماسك الإدارة والأمن، وتبقى الاحتجاجات محلية أو قطاعية، بينما تفشل المعارضة في إنتاج قيادة وبرنامج موحدين.
اقتصادياً يستمر نمو ضعيف بين نحو 1.5% و2.5%، يسمح بتجنب الانهيار لكنه لا يخلق تحولاً اجتماعياً. وتؤمن الدولة التمويل عبر الاقتراض الداخلي، والضرائب، وتحويل الموارد، والتعاون الثنائي، مع استمرار الضغط على الاستثمار والخدمات.
سياسياً تستمر المحاكمات والقيود بصورة انتقائية، مع ترك هامش محدود للاحتجاج لا يهدد مركز السلطة. وقد تجري تغييرات حكومية متكررة تستخدم لامتصاص السخط من دون تعديل بنية القرار.
النتيجة بحلول 2028 ستكون دولة أكثر مركزية وأقل حيوية، ومعارضة أضعف تنظيمياً، ومجتمعاً أكثر ميلاً إلى الهجرة والانسحاب. وخطر هذا السيناريو أنه يراكم شروط الانفجار المؤجل، حتى لو حافظ على الهدوء الظاهري.
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
بقاء الاحتجاجات متفرقة وغير متزامنة.
استمرار وحدة القيادات الأمنية والعسكرية.
غياب الإضراب العام أو تراجع الاتحاد عن المواجهة.
نمو إيجابي ضعيف مع قدرة الدولة على دفع الأجور.
تغييرات حكومية متكررة من دون تعديل سياسي.
استمرار المعارضة في تنظيم مسيرات محدودة منفصلة.
ارتفاع الهجرة مقابل ضعف الانخراط الحزبي.
السيناريو الثاني: الانفراج التفاوضي المحدود — 22%
ينشأ هذا السيناريو عندما تدرك الرئاسة أن تخفيف التوتر أقل تكلفة من استمرار الاستنزاف، أو عندما تتقاطع ضغوط الاتحاد ورجال الأعمال والشركاء الخارجيين مع أزمة مالية تتطلب توسيع الشرعية السياسية.
قد يبدأ الانفراج بإطلاق سراح بعض المعتقلين، وتحسين شروط عمل الإعلام والجمعيات، وفتح مفاوضات اجتماعية مع الاتحاد، ثم الانتقال إلى حوار حول القانون الانتخابي واستقلال القضاء وصلاحيات المؤسسات.
لن يعني هذا بالضرورة العودة الكاملة إلى دستور 2014، بل قد ينتج نظاماً رئاسياً معدلاً تتقوى داخله الحكومة والبرلمان والقضاء. وسيحاول الرئيس الحفاظ على مركزه مع تقديم تنازلات في المجال العام.
نجاح السيناريو يتطلب ضمانات متبادلة: ألا تتحول المعارضة إلى مشروع انتقام، وألا تستعمل السلطة الحوار لتقسيم خصومها وكسب الوقت. كما يحتاج إلى برنامج اقتصادي اجتماعي قصير الأجل يرافق التسوية السياسية.
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
وقف التتبعات الجديدة في قضايا الرأي.
الإفراج الصحي أو المشروط عن شخصيات سياسية.
استئناف التفاوض الرسمي مع اتحاد الشغل.
قبول السلطة وساطة منظمات وطنية.
تخفيف القيود على الإعلام والجمعيات.
إشراك منظمة الأعراف والخبراء في برنامج إنقاذ.
ظهور خطاب رئاسي يميز بين المعارضة والخيانة.
تشكيل لجنة إصلاح قضائي أو انتخابي ذات صدقية.
السيناريو الثالث: انتفاضة اجتماعية وطنية وانتقال مضطرب — 20%
يبدأ هذا السيناريو عادة من خارج الأحزاب: انقطاعات طويلة للماء أو الكهرباء، ارتفاع مفاجئ للأسعار، نقص الأدوية والمحروقات، تأخر الأجور، حادثة وفاة أو قمع، أو احتجاج جهوي يتحول إلى رمز وطني.
يتحول الغضب إلى أزمة نظام إذا تزامنت الاحتجاجات المحلية في مدن عدة، والتحق بها الاتحاد أو قطاعات منه، وفشلت الحكومة في تقديم حل سريع، وانتقلت الشعارات من المطالب الاجتماعية إلى رحيل السلطة أو تغيير النظام.
لا يضمن اتساع الانتفاضة انتقالاً ديمقراطياً. فقد يؤدي غياب القيادة إلى الفوضى أو العنف أو صراع بين القوى المعارضة، وقد تستغل السلطة ذلك لتبرير تشديد القمع. لذلك يعتمد المآل على سرعة تكوين قيادة انتقالية مشتركة.
يمكن أن تؤدي حادثة قمع دامية إلى كسر حاجز الخوف، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى إغلاق المجال العام. ويكون موقف الجيش والأمن حاسماً: الحياد النسبي يفتح طريق التفاوض، أما التماسك حول القمع فيطيل المواجهة.
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
احتجاجات ليلية متزامنة في خمس ولايات أو أكثر.
قطع طرق ومنشآت إنتاج بصورة متواصلة.
انتقال شعارات الاحتجاج من الخدمات إلى رحيل الرئيس.
إعلان إضراب عام أو عصيان نقابي واسع.
مشاركة الأحياء الشعبية إلى جانب النشطاء الحزبيين.
وفاة محتج أو معتقل تتحول إلى قضية وطنية.
رفض وحدات أمنية تنفيذ أوامر معينة أو انسحابها.
ظهور قيادة ميدانية شبابية عابرة للأحزاب.
تشكيل هيئة سياسية انتقالية خلال الاحتجاجات.
السيناريو الرابع: التصلب السلطوي الشامل — 13%
يتحقق هذا السيناريو إذا فسرت السلطة اتساع الاعتراض بوصفه مؤامرة وجودية، فتحظر منظمات أو أحزاباً، وتوسع المحاكمات، وتفرض قيوداً أكبر على الإعلام والتمويل المدني، وتسعى إلى إخضاع اتحاد الشغل أو تقسيمه.
قد يمنح التصلب النظام هدوءاً قصير الأجل، لكنه يحطم قنوات الوساطة ويجعل الاحتجاج المستقبلي أكثر راديكالية. كما يزيد عزلة تونس ويؤثر في الاستثمار والكفاءات والعلاقة مع الشركاء الغربيين.
نقطة التحول الأخطر ستكون الانتقال من القمع الانتقائي إلى القمع الجماعي، أو من ملاحقة أفراد إلى حل المنظمات. عندها تتحول الأزمة من صراع على السياسات إلى صراع وجودي بين الدولة وقطاعات منظمة من المجتمع.
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
تعليق نشاط أحزاب أو منظمات وطنية كبرى.
تعيين إدارات موالية داخل النقابات أو الجمعيات.
اعتقالات جماعية بعد الإضرابات.
محاكمات عسكرية لمدنيين على نطاق أوسع.
تشريعات جديدة تقيد الإعلام والتمويل والجمعيات.
نشر أمني كثيف ودائم في الجامعات والمقار النقابية.
خطاب رسمي يصنف جميع المعارضين ضمن شبكة واحدة.
تراجع التعاون الحقوقي مع المؤسسات الدولية.
السيناريو الخامس: أزمة دولة أو انتقال قسري من داخلها — 7%
هذا السيناريو منخفض الاحتمال لكنه مرتفع التأثير. وقد ينشأ عن فراغ مفاجئ في الرئاسة، أو أزمة صحية، أو عجز الدولة عن دفع الأجور، أو انهيار مؤسسة عمومية استراتيجية، أو انقسام حاد بين الرئاسة، والأمن والجيش والإدارة.
وبسبب شدة شخصنة النظام وضعف الأحزاب والمؤسسات الوسيطة، قد يؤدي الفراغ المفاجئ إلى تنازع حول التأويل الدستوري والشرعية. وقد تتدخل المحكمة أو الحكومة أو البرلمان أو المؤسسة العسكرية بصورة مؤقتة، لكن القواعد الحالية لا تضمن انتقالاً سلساً يحظى بالإجماع.
ويتمثل الخطر في أن يتحول الحل المؤقت إلى صراع داخل الدولة أو إلى حكم طوارئ مفتوح. أما الفرصة فتتمثل في اتفاق سريع بين المؤسسات والمنظمات الوطنية على انتخابات وضمانات وعدم إقصاء أي عائلة سياسية سلمية.
ü مؤشرات الإنذار المبكر لهذا السيناريو:
غياب رئاسي طويل وغير مفسر.
تغييرات مفاجئة ومتكررة في القيادات الأمنية والعسكرية.
تأخر أجور القطاع العام أو خدمة الدين.
خلاف علني بين مؤسسات الدولة حول الاختصاص.
اجتماعات استثنائية بين الجيش والحكومة والاتحاد.
تعليق مؤقت للدستور أو إعلان حالة طوارئ موسعة.
تسارع خروج رؤوس الأموال والمواد الأساسية.
دعوات دولية عاجلة إلى انتقال منظم.
7- المتغيرات القادرة على تغيير الاحتمالات
المتغير الأول هو المالية العمومية: فإذا حافظت الدولة على دفع الأجور وتوريد الغذاء والطاقة بقي سيناريو الاستنزاف قابلاً للاستمرار. أما العجز عن تمويل الاحتياجات الأساسية فسيرفع احتمال الانتفاضة أو الانتقال القسري.
المتغير الثاني هو اتحاد الشغل: بقاؤه في موقع دفاعي يطيل عمر الوضع القائم، بينما انتقاله إلى إضراب عام وبرنامج سياسي اجتماعي يرفع احتمال الانفراج التفاوضي أو الانتفاضة الوطنية.
المتغير الثالث هو درجة تماسك المعارضة: فالتنسيق في ملف المعتقلين وحده لا يصنع بديلاً؛ المطلوب اتفاق على قواعد الانتقال والاقتصاد والعلاقة بين الدين والدولة وضمانات المؤسسات الأمنية.
المتغير الرابع هو سلوك الأجهزة الأمنية: كلما اعتمدت الاحتواء القانوني وتجنبت العنف الواسع انخفض احتمال الانفجار. وكلما تصاعدت الاعتقالات والعنف، خصوصاً ضد النقابيين والشباب، ارتفعت مخاطر توسع الاحتجاج.
المتغير الخامس هو المناخ والمياه والطاقة: موجات الحر والجفاف والبنية التحتية المتقادمة ليست مسائل فنية فقط؛ فهي مضاعفات سياسية للغضب. وقد أظهرت احتجاجات صيف 2026 أن العجز الخدمي قادر على اختراق الحواجز الأيديولوجية.
المتغير السادس هو الاتحاد الأوروبي: تريد أوروبا الاستقرار وضبط الهجرة والتعاون الأمني، لكنها تواجه ضغطاً حقوقياً. وإذا واصلت تغليب الاستقرار القصير على الإصلاح فقد تساعد النظام على الاستمرار؛ أما ربط الدعم بإصلاح تدريجي فقد يدفع نحو الانفراج.
المتغير السابع هو الجزائر وليبيا: فالجزائر تفضل دولة تونسية مستقرة وغير معادية، لكنها تخشى الثورة الثانية التي تنعتها بالفوضى والتدخل الخارجي. أما تطورات ليبيا فتؤثر في التجارة والحدود والطاقة والأمن، ويمكن لأي اضطراب إقليمي أن يقوي منطق الأمن داخل تونس.
المتغير الثامن هو ظهور قيادة جديدة: قد تأتي من داخل النظام، أو الاتحاد، أو المجتمع المدني أو جيل شبابي جديد، ويصبح تأثيرها حاسماً إذا جمعت بين النزاهة والكفاءة الاقتصادية والقدرة على التواصل مع الجهات والمؤسسات.
8- شروط بناء بديل وطني
لا يكفي أن تتحد المعارضة على رفض سعيّد؛ لأن التحالف السلبي يتفكك بمجرد الاقتراب من السلطة. والمطلوب هو التوافق حول ميثاق يتضمن قضايا الدولة الوطنية والمدنية، والتداول السلمي على السلطة، واستقلال القضاء، وعدم الإقصاء الأيديولوجي، وتجريم العنف، وحماية مؤسسات الدولة.
ويجب أن يحدد الميثاق مدة انتقالية قصيرة، وموعداً انتخابياً واضحاً، وهيئة انتخابية مستقلة، وقواعد تمويل الأحزاب، وضمانات تمنع استعمال القضاء والأمن لتصفية الخصوم.
ويحتاج البديل أيضاً إلى حكومة كفاءات ذات سند سياسي، لا إلى حكومة تكنوقراط معزولة. فالإصلاحات الاقتصادية المؤلمة لا تنجح بخبرة تقنية فقط، بل تحتاج إلى شرعية واتفاق اجتماعي وتوزيع عادل للتكاليف.
كما ينبغي أن يتضمن البرنامج الاقتصادي خمسة محاور عاجلة: الأمن المائي والطاقي، وإصلاح المؤسسات العمومية، ودعم المؤسسات الصغيرة، وإعادة هيكلة الدعم تدريجياً مع حماية الفئات الهشة، وتوجيه الاستثمار نحو الجهات الداخلية.
لا بد كذلك من وفاق تعاقدي مع رجال الأعمال يقوم على المنافسة والشفافية مقابل الاستقرار القانوني. فلا تنمية مع شيطنة المبادرة الخاصة، ولا عدالة اجتماعية مع الاحتكار والريع والتهرب الضريبي.
ويجب أن يكون الاتحاد شريكاً في الإصلاح لا مجرد قوة تعطيل، على أن يقبل إصلاح المؤسسات العمومية والحوكمة مقابل حماية الأجور الدنيا والخدمات والحقوق النقابية.
وتحتاج حركة النهضة إلى ضمان حقها في العمل السياسي، لكنها مطالبة في المقابل بمراجعة تجربتها، وتجديد قيادتها، وقبول موقع معادل لنظرائها في الحركة الديمقراطية وداخل المجال الديمقراطي. وينطبق مبدأ الإدماج ذاته على الدستوريين واليسار والقوميين الالتزام بالسلم والدستور والديمقراطية والمراكمة على مكاسب الثورة..
أما المؤسسة الأمنية فتحتاج إلى إصلاح مهني تدريجي يحدد المسؤوليات ويقوي الرقابة القضائية والبرلمانية ويحمي الأمنيين من الاستعمال السياسي. فالأمن الجمهوري لا يبنى بالإضعاف أو الانتقام، بل بالقانون والتدريب والمحاسبة الفردية.
ويجب الحفاظ على الجيش خارج التنافس الحزبي، مع توفير الموارد اللازمة لأمن الحدود ومكافحة الإرهاب والطوارئ. إدخال الجيش في الحكم سيعالج الفراغ مؤقتاً لكنه يهدد إحدى أهم خصائص الجمهورية ومدنية الدولة.
كما يتعين نقل مركز السياسة من العاصمة إلى الجهات. فالمجالس المحلية لا تصبح ديمقراطية بمجرد إنشائها من أعلى؛ بل تحتاج إلى موارد واختصاصات، ومحاسبة، وانتخابات تنافسية ،وشفافة.
وينبغي تخصيص مساحة مؤسسية للشباب عبر قوائم انتخابية مفتوحة، وتمويل المبادرات المحلية، ومجالس بلدية حقيقية، وبرامج للتشغيل، والسكن والثقافة. فالشباب لا يحتاج إلى خطاب تعبوي بقدر حاجته إلى امتلاك سلطة فعلية على مستقبله.
9- لوحة الإنذار المبكر المركبة
يمكن بناء مؤشر شهري للإنذار المبكر يتابع ستة مجالات: الاحتجاج، والاقتصاد، والخدمات، والقمع، وتماسك الدولة، وتنسيق المعارضة. ولا تحمل الإشارة الواحدة معنى حاسماً، لكن اجتماع إشارات متعددة يكشف انتقال البلاد من سيناريو إلى آخر.
و إذا اجتمعت ثلاثة مؤشرات حمراء في الاقتصاد والاحتجاج ومؤسسات الدولة، ترتفع احتمالات الانتقال القسري بصورة كبيرة. وإذا ظهرت مؤشرات برتقالية في الاحتجاج، يقابلها تخفيف للقمع وفتح للتفاوض، يصبح الانفراج المحدود أكثر ترجيحاً.
أما إذا ظلت المؤشرات الاقتصادية والخدمية بين الأصفر والبرتقالي، وبقي الأمن متماسكاً والمعارضة منقسمة، فسيظل الاستنزاف السلطوي السيناريو المرجح حتى 2028.
10- الخلاصة الاستراتيجية
لا تبدو تونس في اوت 2026 أمام سقوط وشيك للنظام، لكنها تجاوزت مرحلة الاستقرار الرئاسي غير المتنازع عليه. فالسلطة ما زالت قوية مؤسسياً، غير أن شرعية الإنجاز تتآكل، وأصبحت الأزمات الخدمية والاجتماعية قابلة للتحول إلى اعتراض وتمرد ثوري سياسي.
ويتمثل تفوق قيس سعيّد في امتلاك الدولة وتشتيت الخصوم، بينما يتمثل ضعفه في غياب الحزب والبرنامج الاقتصادي والوساطة الاجتماعية. ويتمثل تفوق المعارضة في اتساع أسباب السخط، بينما يتمثل ضعفها في غياب الثقة والقيادة والبديل المتفق عليه.
والقوة القادرة على قلب الميزان ليست حزباً منفرداً، بل تقاطع محتمل بين الاتحاد والشباب والمجتمع المدني والأحزاب الديمقراطية، مع حياد رجال الأعمال وأجهزة الدولة. ومن دون هذا التقاطع ستظل الاحتجاجات قابلة للاحتواء.
وتبقى حركة النهضة عنصرا فاعلا وديناميكيا في المشهد وليست مركزه الوحيد. وسيكون مستقبلها مرتبطاً بقدرتها على التحول من مشروع استعادة الحزب إلى مشروع إعادة بناء الوحدة الروحية والحضارية للسياق الشعبي والدولة الوطنية، والمساهمة في تشكيل أرضية عمل وخارطة طريق للحركة الديمقراطية، مع ضمان استعداد القوى العلمانية لتجاوز عقدة الاستقطاب العبثية وقبول الإدماج المتبادل والتخلي عن سياسة الإقصاء، ما دامت كل الأطراف متفقة على الديمقراطية، والمدنية والمحاسبة والنقد.
يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو الاستنزاف السلطوي المستقر بنسبة 38%، يليه الانفراج التفاوضي بنسبة 22%، ثم الانتفاضة والانتقال المضطرب بنسبة 20%. غير أن صدمة العطش والتعطيش وندرة المياه وانقطاع الكهرباء، وتدهور المالية العمومية واضطرابها وتصاعد الانتهاكات الحقوقية كل ذلك قد يعيد توزيع تلك الاحتمالات وحصول تطور عبر القفزات النوعية.. بعيدا عن المراكمة الكمية والصبر الاستراتيجي.
لكن يبقى المخرج الأقل كلفة هو الانتقال التفاوضي الذي لا يهدم الدولة ولا يكرس الحكم الفردي: مع إطلاق سراح جميع المعتقلين، وضمان الحريات، وإعادة استقلال القضاء الى سياقه الطبيعي وسلطته المشروعة، وإصلاح النظام الانتخابي، وتشكيل حكومة ذات سند وطني، وإقرار برنامج إنقاذ اجتماعي واقتصادي.
أما استمرار كل طرف في انتظار انهيار الآخر فسيحول تونس إلى دولة قادرة على الضبط وغير قادرة على التجديد، ومجتمع قادر على الغضب وغير قادر على التنظيم، ومعارضة قادرة على الاحتجاج وغير جاهزة للحكم.
والمعركة الحقيقية بين 2026 و2028 لن تكون حول بقاء قيس سعيّد أو عودة خصومه فحسب ، بل ستكون حول نوع الدولة التي ستخرج من الأزمة: دولة رئاسوية أمنية منهكة، أم دولة ديمقراطية اجتماعية متجددة، أم فضاء غير مستقر تديره موجات الاحتجاج والاحتواء.
ومن ثم، فإن المهمة التاريخية للقوى الثورة والديمقراطية التونسية ليست استعادة الماضي، بل تأسيس عقد جديد يجمع قوة الدولة مع خضوعها للقانون، والحرية السياسية مع العدالة الاجتماعية، والهوية الوطنية مع التعدد، والسيادة مع الانفتاح، والاستقرار مع التداول الديمقراطي. هذا العقد وحده يستطيع تحويل أزمة 2026 من مقدمة لاستنزاف طويل إلى لحظة تأسيس جمهورية تونسية أكثر نضجاً وعدلاً.
Haut du formulaire
يكشف هذا المقال/ الدراسة أن معركة الجمهورية في تونس خلال المدة 2026–2028 لن تُحسم بمجرد تفوق السلطة في أدوات الضبط والقمع والاكراه، ولا باتساع الغضب الاجتماعي، ولا بعودة حزب من الاحزاب إلى الواجهة، وإنما بقدرة مختلف القوى المتنافسة على تحويل مواردها المتفرقة إلى مشروع وطني جامع. فالرئاسة تستطيع إطالة عمر النظام، لكنها لا تستطيع ضمان استقراره من دون إنجاز اقتصادي وشرعية اجتماعية؛ والمعارضة تستطيع توسيع دائرة الرفض، لكنها لن تصبح بديلاً ما لم تستعد ثقة المواطنين وتقدم برنامجاً قابلاً للحكم؛ أما الأحزاب والاتحاد والشباب والمجتمع المدني، فيملكون عناصر ترجيح حقيقية، لكنها ستظل معطلة ما لم تنتظم داخل كتلة تاريخية ديمقراطية تتجاوز الاستقطابات القديمة وتربط الحرية بالعدالة والكرامة بالتنمية.
إن أخطر ما يهدد تونس ليس انتصار طرف على آخر، بل استمرار «توازن العجز» إلى أن تتآكل مؤسسات الدولة وتتعمق الهشاشة الاجتماعية ويصبح الانفجار بديلاً عن الإصلاح. ولذلك لا يكون الخروج من قوس الظلامية بإعادة إنتاج زمن ما قبل انقلاب 25جويلية بعلاته وعوائقه ومكاسبه الثورية ، ولا بتثبيت الحكم الشمولي والدكتاتوري تحت عنوان تصحيح الثورة، وإنما في افق اكثر طموحا يقوم على تأسيس شرعية الجمهورية الجديدة التي تقوم على إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، واستعادة استقلال القضاء، وإقرار حرية الإعلام الديمقراطي الموضوعي والاحترافي وحق التنظيم، والتداول السلمي على السلطة، مقترنة بعقد اجتماعي يعالج البطالة والفقر والتفاوت الجهوي وأزمات الماء، والطاقة، والتعليم والصحة معالجة استراتيجية وببعد نظر عميق . فالديمقراطية التي لا تحقق أمناً اجتماعياً تفقد حاضنتها الشعبية، مثلما أن الدولة المستقوية بالقهر على شعبها والتي لا تخضع للقانون تتحول من أداة لحماية المجتمع إلى مصدر للخوف والفشل والانهيار.
وعليه، فإن السؤال الحاسم لن يكون حول مَن سيحكم تونس سنة 2028 فحسب؟ بل: بأي قواعد، ولصالح أي فئات، وتحت أي رقابة، وضمن أي تصور للدولة والمجتمع؟ إن مستقبل الجمهورية مرهون بقدرة التونسيين على تحويل الأزمة من لحظة انتظار وإنهاك إلى لحظة تأسيس تاريخي، وبناء توافق لا يلغي الاختلاف، ودولة لا تبتلع المجتمع، ومعارضة لا تكتفي بالاحتجاج، واقتصاد لا يترك الشباب بين البطالة والهجرة. فإذا نجحت القوى الوطنية في صياغة هذا الأفق المشترك، أمكن لتونس أن تستعيد دورها مثالا عربياً للديمقراطية الاجتماعية وعاصمة عربية وإقليمية للربيع؛ أما إذا استمر الإقصاء والتشتت وشخصنة السلطة، فستبقى البلاد عالقة بين استبداد عاجز عن الإنجاز واحتجاج عاجز عن بناء البديل.
11- مراجع
مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
وكالة رويترز للانباء
بيانات البنك الدولي عن تونس، بطالة الشباب في تونس
البنك الدولي: مؤشرات تونس الاجتماعية
البنك الدولي: المهارات وفرص عمل الشباب
البارومتر العربي: الرأي العام التونسي 2025
مفوضية الأمم المتحدة، هيومن رايتس ووتش.
Bas du formulaire