مشيئة الله العليا تسوق من يستحق إلى الغاية التي يستحق ... لقد كانت لحظات تفصل بين راشد الغنوشي والسفر لألبانيا، التي ارتبط بها عن بعد من خلال راديو تيرانا، الذي كان يستمع إليه ويراسله. في تلك الفترة - وبعد 20 عاما من تنفيذ خطة تجفيف المنابع - كان أنور خوجا قد حزم أمره، وأحكم تضييق الخناق على كل ما يتعلق بالدين ورجاله ومعالمه ومؤسساته، ويستعد إلى إعطاء الأوامر بالهجوم المباشر على كل الأديان من أجل اقتلاع ما تبقى منها من الوجود المادي بل والعقلي والنفسي، تلك الأوامر التي أصدرها في شهر فيفري من سنة 1967.
القدر أنقذ راشد الغنوشي من رحلة كانت ستكون له امتحانا عسيرا وتحديا غير مضمونة عواقبه.
وفي المقابل تعلق حمة الهمامي بألبانيا أنور خوجة، في الفترة التي بلغ هوس خوجا بنفسه مبلغا جعله يتفرد بجعل ألبانيا الدولة الوحيدة الملحدة دستوريا، من خلال التحوير الدستور ي لسنة 1976، وهو التحوير الذي جاء مع استعداده للانفصال الكامل عن الصين، وإعلان نفسه الدولة الوحيدة في العالم ذات الخط الماركسي اللينيني الحقيقي والوحيد سنة 1978.
في تلك الأجواء "هام" حمة ورفاقه في العامل التونسي بألبانيا وبالرفيق العظيم انور خوجا. وفي نفس الظروف كان الوطنيون الديمقراطيون (الوطد) الفصيل الثاني التونسي الذي اتخذ من أنور خوجا ملهما وزعيما عالميا.
ليس لدينا لحد الآن تفاصيل حول علاقة الفصيلين بألبانيا، وهو ما يجب التنقيب في الارشيفات حوله. هل كانت العلاقة مجرد انتماء فكري أم انها تجاوزت ذلك؟
المؤكد أن هناك زيارات تمت من الفصيلين، ومنذ مدة ذكر أحد قدماء الوطد انه زار ألبانيا سنة 1983 عرضا في حديثه.
منذ أيام انهيث قراءة كتاب رحلة الإسلام في ألبانيا (1912-1967) لصديقي المرحوم علي باشا، وهو كتاب ثري جدا، وثمرة تنقيب عميق في أرشيف الدولة الالبانية، ومنه أرشيف ألبانيا الشيوعية بين 1944-1990، وخاصة أرشيف الحزب الشيوعي.
كتاب يستحق العرض، بل يستحق الترجمة الكاملة. لأن نموذج تحويل ألبانيا من دولة مسلمة إلى دولة شيوعية مسألة تستحق الدراسة واستخلاص الدروس.
لكنني بعد قراءة الكتاب وغيره من الكتب في هذا الباب، استطعت أن أفهم إلى حد كبير المنطق الإيديولوجي الأعمى الذي قاد الفصيلين الذين مثلا اليسار التونسي ولا زالا يمثلانه وهما : حزب العمال و الأوطاد.
عندما تستمع لحمة وتتابع مواقفه، يتبدى لك الموقف العدمي المفارق للواقع، المرتهن لمنطق إيديولوجي أعمى. يتحرك الصخر ولا يتحرك، تنطق الجمادات ولا يتكلم. كل ذلك وهو لا يراكم إلا البؤس والخواء ... تماما كما كان حال ألبانيا ... دولة عانى شعبها البؤس بكل انواعه، وانور خوجا يقول لهم "حسدتنا الدول" ... ولما استفاق الألبان من غفوتهم، وفُك عقالهم، انطلقوا يهدمون كل شيء يمت بصلة إلى تلك الحقبة، ولم يقبلوا حتى ترك متحف لأنور خوجا في تيرانا، ورموا نصبه التي كانت تملأ الفضاء، وعلى رأسها النصب الكبير الذي كان يتوسط الساحة الكبرى وسط تيرانا في دهاليز المتحف يأكلها الغبار.
عندما تقرأ ماذا فعل أنور خوجا كي يحول ألبانيا ذات الاغلبية المسلمة إلى دولة ملحدة، تستذكر عظمة الدين، وعظمة الإسلام كيف صمد وقاوم، وفي نفس الوقت تفهم تلك العقدة الضاربة في أعماق الفصيلين التونسيين تجاه الدين ... لقد رضعوا ذلك من لبان أنور خوجا ومنه تخلقت أمشاجهم.
لقد مات أنور خوجا ، ويقال ان زوجته نجمية خوجا استدعت إماما عند موته ليغسله على عادات المسلمين في البلد، رغم محاربته للاسلام طيلة حياته، وقد كان قبل وفاته بسنوات قد استبدل قبعته الشهيرة بقبعة كبار السن المسلمين .... وعادت ألبانيا بعد موته بسنوات قلائل إلى دينها، وتحولت ذكراه وذكرى حزبه ألى ثقب أسود مرباد كثقب الأوزون في تاريخ ألبانيا ...
وفي التاريخ عبرة "لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد".