→ جميع المقالات

الغنوشي دخل التاريخ وكان له ما اراد

راشد الغنوشي، حركة النهضة، تونس

جمال الطاهر جمال الطاهر ·
مشاركة
الغنوشي دخل التاريخ وكان له ما اراد

في تاريخ تونس تتكرر مفارقة موجعة: كثير من الشخصيات التي أعطت البلاد عمرها وفكرها ونضالها، انتهت إلى العزلة أو التشويه أو النفي أو السجن، قبل أن يعاد اكتشافها لاحقًا بوصفها جزءًا من الضمير الوطني.

وكأنّ تونس، في لحظات التوتر والانقسام، تُقابل بعض أبنائها الكبار بالقسوة نفسها التي تحتفي بهم بها الأجيال اللاحقة.

من ابن خلدون الذي لم يُدرك عصره قيمة مشروعه الفكري، إلى خير الدين التونسي الذي واجه مقاومة شرسة لمحاولات الإصلاح، إلى الطاهر الحداد الذي دُفع إلى العزلة والتجريح لأنه سبق زمانه، إلى فرحات حشاد الذي دفع حياته ثمنًا لنضاله الوطني، وصولًا إلى شخصيات كثيرة حملت همّ البلاد وانتهت إلى المحنة بدل التكريم.

وفي هذا السياق يبرز اسم راشد الغنوشي باعتباره أحد أبرز الوجوه التي طبعت تاريخ تونس المعاصر، بما له وما عليه، وبما أثاره من جدل واسع داخل المجتمع التونسي وخارجه.

فالرجل خاض مواجهة طويلة ضد الاستبداد في مرحلتيه البورقيبية والنوفمبرية، وتعرض بسبب ذلك إلى السجن والأحكام القاسية ثم المنفى لسنوات طويلة. وبعد الثورة عاد ليكون جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي ومن تجربة الانتقال الديمقراطي، مدافعًا عن خيار التوافق والحوار وبناء المشترك الوطني، وساعيًا إلى تجنيب البلاد الانقسام والصدام الأهلي.

كما ارتبط اسمه بمحاولة تطوير المشروع الإسلامي السياسي نحو أفق “الإسلام الديمقراطي”، والدعوة إلى التعايش تحت سقف الدستور والاحتكام إلى الآليات الديمقراطية، في تجربة اعتبرها كثيرون من أبرز محاولات التوفيق بين المرجعية الإسلامية والديمقراطية في العالم العربي.

وتزداد المفارقة عمقًا حين يُقارن ما يلقاه الغنوشي داخل تونس بما يحظى به خارجها. ففي الوقت الذي يتعرض فيه للتشويه والإقصاء والسجن في بلده، ظلّ يُستقبل في عواصم عالمية كبرى، ويُدعى إلى جامعات ومراكز أبحاث ومنتديات فكرية وسياسية دولية بوصفه أحد أبرز المفكرين السياسيين في العالم الإسلامي المعاصر، وتجربة فريدة في الجمع بين الفكر الإسلامي والديمقراطية والتعددية. لقد نوقشت أفكاره في مؤسسات أكاديمية غربية وعربية، واستُضيف في ندوات دولية حول التحول الديمقراطي والإسلام السياسي والتعايش، وتناولته كتب ودراسات جامعية باعتباره جزءًا من النقاش العالمي حول مستقبل الديمقراطية في المجتمعات العربية والإسلامية.

ومن أعمق مفارقات التجربة أيضًا أنّ مواجهة الغنوشي وإقصاءه من الفضاء العام لم تتم عبر صناديق الاقتراع الحرة، إذ شارك في كل الانتخابات التي أُتيحت بعد الثورة وظلّ فاعلًا أساسيًا فيها، ولم تتم كذلك عبر حوار فكري متكافئ أو سجال معرفي عميق يستطيع أن يهزم مشروعه بالحجة والفكرة.

بل إنّ مسار إبعاده جرى أساسًا عبر أدوات القوة العارية: التشويه المنهجي، والوصم، والتحريض، والاستهداف السياسي والقضائي، ثم السجن والأحكام القاسية.

وربما تكمن إحدى مشكلات الغنوشي في أنّ خصومه عجزوا طويلًا عن إنتاج منافس فكري وسياسي قادر على منازلته داخل فضاء الحرية والإقناع والتدافع الديمقراطي، فكان اللجوء المتكرر إلى الإقصاء بديلاً عن التنافس، وإلى الشيطنة بديلاً عن الحوار، وإلى أدوات الدولة بديلاً عن أدوات السياسة.

وسواء اتفق الناس مع الغنوشي أو اختلفوا معه، فإنّ اختزال مسيرته في صورة عدوّ مطلق أو التعامل معه باعتباره مجرد خصم ينبغي محوه من الذاكرة، يكشف أزمة أعمق في الثقافة السياسية: أزمة العجز عن الاعتراف بتعقيد الشخصيات التاريخية، وعن التفريق بين الاختلاف السياسي والتنكر لمسارات كاملة من الفكر والنضال والتضحية.

فالأمم الواثقة من نفسها لا تُدار ذاكرتها بمنطق الانتقام، ولا تختزل تاريخها في لحظة استقطاب عابرة، بل تنظر إلى رجالاتها ونسائها باعتبارهم جزءًا من سردية وطنية متعددة، فيها النجاح والإخفاق، وفيها الاجتهاد والخطأ، لكنها تبقى في النهاية جزءًا من تاريخ البلاد لا يمكن محوه ولا مصادرته.

تاريخ أول نشر 2026/6/3

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©