→ جميع المقالات

الإخفاق العربي وإشكاليات الدولة والثورة والدين والديمقراطية

قراءة نقدية في المشروع الفكري والاستراتيجي للدكتور رفيق عبد السلام

مشاركة
الإخفاق العربي وإشكاليات الدولة والثورة والدين والديمقراطية

تشكل هذه الدراسة محاولة لقراءة المشروع الفكري والاستراتيجي الذي يقدمه الدكتور رفيق عبد السلام في كتابه "الإخفاق العربي"، بوصفه أحد أبرز الاجتهادات العربية المعاصرة الساعية إلى تفسير المأزق التاريخي الذي تعيشه الدولة العربية الحديثة واستشراف آفاق تجاوزه. فالكتاب لا يكتفي بتشخيص تعثر الثورات العربية أو تحليل أزمة الدولة الوطنية أو مناقشة إشكاليات العلاقة بين الدين والسياسة والديمقراطية والحداثة، وإنما يؤسس لرؤية متكاملة تربط هذه القضايا جميعها داخل إطار حضاري واحد، يجعل من الإخفاق العربي نتيجة لاختلالات بنيوية في بناء الدولة، وفي تكوين النخب، وفي طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وفي مسار التحديث العربي نفسه. وانطلاقًا من هذا التصور، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل البنية الفكرية للكتاب ونقد مرتكزاته النظرية، والكشف عن قوة أطروحاته وحدودها، من خلال مقاربة تجمع بين التحليل الفلسفي والنقد السياسي والاستشراف الاستراتيجي، بما يسمح بإعادة مساءلة أسئلة الثورة والدولة والدين والديمقراطية والحداثة في ضوء التحولات العربية الراهنة، وبما يسهم في بلورة رؤية أكثر عمقًا لمتطلبات النهضة العربية الجديدة وشروط بناء دولة وطنية ديمقراطية ذات سيادة وقادرة على تحقيق الحرية والتنمية والعدالة والاستقلال الحضاري.ولكن لا بد من التنويه أن هذه الدراسة لا تغني عن قراءة الكتاب والتفاعل المباشر مع اشكالاته واطروحاته.

والواضح أن الدكتور رفيق عبد السلام لا يقدم عملاً وصفياً لتاريخ الثورات العربية فحسب، وإنما يطرح مشروعاً فكرياً يروم إعادة قراءة العلاقة بين الثورة والدولة والدين والديمقراطية والحداثة في إطار رؤية استراتيجية متكاملة. فالكتاب موزع على خمسة محاور مترابطة، ويصرح مؤلفه بأنه ليس "بحثاً أكاديمياً صرفاً" بقدر ما هو ثمرة مزاوجة بين التأمل النظري والخبرة السياسية العملية، بما يجعل تحليله ضرورة لفهم طبيعة التحولات العربية ومآلاتها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تفيد صناع القرار والنخب الفكرية والسياسية في إدارة أزمات المنطقة. ومن ثم فإن تحليل هذا الكتاب لا يكتسب أهميته من مضمونه الفكري فحسب، بل من كونه وثيقة سياسية واستراتيجية تسعى إلى تفسير أسباب الإخفاق العربي واقتراح مسارات للخروج منه عبر مقاربة تجمع بين الفكر والواقع، وبين التحليل التاريخي والاستشراف السياسي.

وتتضاعف الأهمية السياسية والاستراتيجية لتحليل هذا الكتاب لأنه ينطلق من فرضية مفادها أن الإخفاق العربي ليس نتاج أخطاء ظرفية أو أحداث معزولة، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين الاستبداد الداخلي، والتدخلات الخارجية، وتعثر بناء الدولة، وأزمة النخب، واختلال العلاقة بين الدين والسياسة، وهي قضايا لا تزال تحدد مستقبل العالم العربي حتى اليوم. ولذلك فإن دراسة الكتاب تمثل مدخلاً لفهم البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها الدول والقوى السياسية، كما تساعد على تقييم تجارب الانتقال الديمقراطي والثورات العربية بعيداً عن الانفعال الأيديولوجي أو التبسيط الإعلامي. ومن هذه الزاوية، يصبح تحليل كتاب "الإخفاق العربي" إسهاماً في بناء وعي استراتيجي عربي جديد، قادر على الربط بين تشخيص الأزمات، واستيعاب قوانين التحول التاريخي، وصياغة رؤى أكثر واقعية وعمقاً لمستقبل الدولة العربية ومشروعها الحضاري.

الثورة

يقدم الدكتور رفيق عبد السلام في المحور الأول من كتابه "الثورات العربية: تأملات في ثورات الربيع العربي" تصورًا للثورة بوصفها ظاهرة تاريخية كبرى وليست مجرد حدث احتجاجي عابر أو انفجار اجتماعي مؤقت. فالثورة عنده هي تعبير عن تراكم طويل من الاستبداد والفساد والإقصاء، وانفجار لرغبة الشعوب في الحرية والكرامة واستعادة المجال العام. ولذلك يرفض منذ البداية القراءات التي اختزلت الربيع العربي في مؤامرة خارجية أو في مجرد فوضى، ويرى أن تلك الثورات كانت نتيجة أزمة بنيوية عاشتها الدولة العربية الحديثة، وأنها كشفت عمق المأزق السياسي والاجتماعي الذي راكمته الأنظمة السلطوية على مدى عقود. كما يؤكد أن تقييم هذه الثورات يجب أن يكون بعيدًا عن التهوين والتهويل معًا، وأن يخضع لقراءة تاريخية نقدية تميز بين أخطاء الفاعلين وبين مشروعية الفعل الثوري ذاته.

وفي قراءته لمآلات الثورات العربية، يرفض رفيق عبد السلام اعتبار الانتكاسات التي عرفتها بعض التجارب دليلًا على فشل فكرة الثورة نفسها، بل يعدها جزءًا من المسار الطبيعي للتحولات التاريخية الكبرى التي تتعرض لثورات مضادة وصراعات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية. ويرى أن القوى المناهضة للربيع العربي، سواء داخل الدول العربية أو خارجها، عملت على احتواء الثورات أو إجهاضها عبر أدوات سياسية وإعلامية وأمنية ومالية، مستفيدة من أخطاء بعض القوى الثورية ومن ضعف التنسيق بينها. لذلك فإن ما جرى في مصر وسوريا واليمن وليبيا لا يمثل، في نظره، نهاية المشروع التحرري العربي، بل يكشف حجم المقاومة التي تبديها البنى السلطوية القديمة في مواجهة أي انتقال ديمقراطي حقيقي.

وينتهي المؤلف إلى رؤية استراتيجية متفائلة نسبيًا، مفادها أن الثورات العربية، رغم ما أصابها من انتكاسات، أحدثت تحولًا عميقًا في الوعي العربي لا يمكن التراجع عنه بسهولة. فهي، بحسب تقديره، كسرت حاجز الخوف، ورسخت قيم الحرية والكرامة والمشاركة السياسية، وأدخلت الشعوب العربية في مرحلة تاريخية جديدة تتسم بطول النفس وتعاقب موجات المد والجزر. ومن ثم فإن مستقبل المنطقة، في تصوره، لن يكون عودةً كاملة إلى ما قبل عام 2011، لأن الربيع العربي غيّر بنية الوعي السياسي والاجتماعي، حتى وإن تعثرت مساراته العملية، ولأن مطالب الحرية والدولة العادلة ستظل عاملًا ضاغطًا يعيد إنتاج نفسه في صور جديدة كلما تجددت شروط التغيير.

يؤكد الدكتور رفيق في المحور الأول للكتاب مشروعية الثورات العربية بوصفها تعبيرًا عن أزمة الدولة العربية الحديثة، ويرى أن تعثرها لا يلغي مشروعيتها التاريخية،

لكن الإقرار بمشروعية الثورات العربية لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى ممارسة نقد ذاتي صارم لتجربتها، لأن الثورات لا تُقاس فقط بسلامة دوافعها، بل أيضًا بقدرتها على بناء البديل السياسي والمؤسسي. فقد كشفت تجارب الربيع العربي عن فجوة واضحة بين إسقاط النظام وبناء الدولة، وبين التعبئة الثورية وإدارة الانتقال الديمقراطي. كما برزت أخطاء عديدة تمثلت في ضعف الرؤية الاستراتيجية، وغياب التوافقات الوطنية الواسعة، وقصور بناء الجبهات المدنية والسياسية القادرة على حماية المسار الانتقالي، إضافة إلى محدودية الاستعداد لمواجهة الدولة العميقة، والثورات المضادة، والتدخلات الإقليمية ،والدولية. لذلك فإن نجاح أي موجة إصلاحية جديدة يقتضي الانتقال من منطق الثورة بوصفها لحظة احتجاج إلى منطق الثورة بوصفها مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة والمؤسسات والاقتصاد والثقافة السياسية.

كما أن النهوض العربي الجديد يظل رهين استخلاص الدروس العميقة من إخفاقات العقد الماضي، وفي مقدمتها تجاوز الاستقطاب الإيديولوجي الحاد، وترسيخ ثقافة الشراكة الوطنية، وإعطاء الأولوية لبناء المؤسسات الدستورية القوية والاقتصاد المنتج والعدالة الاجتماعية، بدل الارتهان للصراعات الهوياتية أو الحسابات الحزبية الضيقة. فالثورات لا تكتمل بمجرد إسقاط السلطوية، وإنما تنجح عندما تنتج نخبًا جديدة تمتلك رؤية استراتيجية، وقدرة على إدارة الاختلاف، وبناء توافقات تاريخية، وصياغة مشروع وطني جامع يحقق الحرية والتنمية والسيادة معًا. ومن ثم فإن النهوض الجديد لا ينبغي أن يكون تكرارًا لموجة 2011، بل مرحلة أكثر نضجًا ووعيًا، تستفيد من أخطاء الماضي وتحولها إلى خبرة تاريخية تؤسس لانتقال ديمقراطي أكثر رسوخًا واستدامة.

الديني والسياسي

قدم الدكتور رفيق في المحور الثاني من الكتاب مقاربة نقدية للمسألة الدينية تنطلق من رفض الثنائية الصلبة التي تجعل المجتمعات العربية أمام خيارين متناقضين: إما هيمنة الدين على الدولة، أو علمنة تستبعد الدين من المجال العام. ويرى أن جذور الإشكال العربي لا تكمن في قوة الدين أو حضوره المجتمعي، وإنما في طبيعة الدولة الحديثة التي ورثت نزعة مركزية واستحواذية جعلتها تهيمن على مختلف المجالات، بما فيها المجال الديني. ومن ثم فإن العلاقة بين الديني والسياسي ليست علاقة صراع وجودي كما صاغتها بعض الأدبيات الغربية، بل هي علاقة تحتاج إلى إعادة تنظيم على أساس التمييز الوظيفي بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الدين، مع الحفاظ على الدور القيمي والأخلاقي للدين داخل المجتمع. ويؤكد أن الدولة ليست بديلاً عن المجتمع ولا عن منظومته القيمية، وإنما هي إطار قانوني وسياسي لإدارة الشأن العام، بينما يبقى الدين أحد أهم مصادر الرصيد الأخلاقي والثقافي للمجتمع.

وفي تناوله للحل العلماني، يرفض عبد السلام استنساخ النموذج العلماني الفرنسي بوصفه نموذجًا كونيًا صالحًا لكل البيئات التاريخية، ويعتبر أن هذا النموذج نشأ في سياق أوروبي خاص ارتبط بصراعات الكنيسة والدولة، ولا يمكن نقله بصورة ميكانيكية إلى المجتمعات العربية الإسلامية التي تختلف في بنيتها التاريخية والاجتماعية. ولذلك يدعو إلى صياغة نموذج عربي إسلامي يقوم على حياد الدولة تجاه التعدد الديني والفكري، واحترام الحريات العامة والمواطنة المتساوية، دون أن يتحول الحياد إلى عداء للدين أو محاولة لإقصائه من الفضاء العام. كما يستفيد من التجربة الأنجلوسكسونية التي تسمح بحضور الدين في المجال العمومي ضمن قواعد الديمقراطية والتعددية، ويرى أن المطلوب ليس "علمنة المجتمع"، وإنما بناء دولة مدنية دستورية تحترم استقلال المجال الديني وتحول دون توظيفه في الاستبداد أو الاحتكار السياسي.

وانطلاقًا من هذا التصور، يخلص رفيق عبد السلام إلى أن مآلات إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي مرهونة بالقدرة على تجاوز الاستقطاب الإيديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين، والانتقال إلى منطق التوافق التاريخي والحوار المجتمعي. فالمشكلة في تقديره ليست في الدين ولا في السياسة في حد ذاتهما، بل في تحويلهما إلى أدوات للإقصاء والصراع على السلطة. ولذلك يقترح تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على ثلاث مرتكزات: تخفيف مركزية الدولة وتوسيع فضاء المجتمع المدني، والاعتراف بالتعددية الفكرية والسياسية على قاعدة المواطنة، وتفعيل آليات الحوار والتداول والتسويات الديمقراطية بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية. وبهذا تصبح العلاقة بين الديني والسياسي علاقة تكامل وظيفي وتوازن مؤسسي، لا علاقة هيمنة أو قطيعة، بما يسمح ببناء دولة مدنية ديمقراطية تستوعب المرجعية الثقافية الإسلامية وتحافظ في الوقت نفسه على الحريات والتعددية وسيادة القانون.

عرض الدكتور رفيق عبد السلام في المحور الثاني رؤية للعلاقة بين الديني والسياسي، و أهم ما يميّز هذه المقاربة هو سعيها إلى تجاوز ثنائية "الدولة الدينية" و"العلمانية الإقصائية"، والدعوة إلى بناء دولة مدنية تستوعب المرجعية الثقافية الإسلامية دون أن تتحول إلى دولة عقائدية أو ثيوقراطية. غير أن هذه المقاربة، رغم وجاهتها النظرية، تبقى بحاجة إلى مزيد من التدقيق في الآليات الدستورية والمؤسساتية التي تضمن هذا "التكامل الوظيفي" بين الدين والسياسة. فالفصل الوظيفي وحده لا يكفي ما لم تُحدد بصورة دقيقة الحدود الفاصلة بين المجالين، وآليات منع توظيف الدين في التنافس الحزبي أو استغلال السلطة السياسية للرمزية الدينية. كما أن الانتقال من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى السياسات العمومية يظل تحديًا حقيقيًا، لأن نجاح هذا النموذج مرهون بوجود ثقافة ديمقراطية راسخة، وقضاء مستقل، ومؤسسات دستورية قادرة على حماية التعددية ومنع تغول أي من المجالين على الآخر. ومن جهة أخرى، يلفت المحور إلى أن المشروعية الاجتماعية للدين في المجتمعات العربية تجعل من الصعب نجاح النماذج العلمانية الصدامية التي تسعى إلى إقصاء الدين من المجال العام، إذ أثبتت التجارب أن هذا النمط من العلمانية قد يؤدي إلى تعميق الاستقطاب وإضعاف التماسك الوطني بدل ترسيخ الديمقراطية. ومع ذلك، فإن نقد العلمانية الإقصائية لا ينبغي أن يقود إلى منح الدين سلطة لاهوتية مهيمنة سياسيًا "وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ"(سورة الحديد 27)لأن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون، لا على الانتماءات اللاهوتية والطائفية أو الدغمائية الأيديولوجية. ومن ثم فإن المعالجة الأكثر توازنًا تكمن في بناء عقد اجتماعي يجعل الدين مصدرًا للإلهام الأخلاقي والثقافي والحضاري داخل المجتمع، مع إبقاء الشرعية السياسية كما في الرسالة النبوية الأولى مستندة إلى الإرادة الشعبية والدستور والاحتكام الديمقراطي. فالأمة والشعب هما مصدر الشرعية.  "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"(ال عمران 159).

وشاورهم بمعنى استشر المجموعة الوطنية واستشر الشعب بثقة واصغاء للمصلحة العامة وبتوجيه جماعي ملزم.

وبهذا يمكن تجنب مآلات الصدام بين الدولة والمجتمع التي أفرزتها بعض التجارب العلمانية المتشددة، وفي الوقت نفسه الحيلولة دون تحول الدين إلى أداة لاهوتية ورهبانية للاحتكار السياسي أو لإضفاء القداسة على السلطة، وهو ما ينسجم مع الغاية التي خلص إليها الدكتور رفيق في الدعوة إلى دولة مدنية ديمقراطية قائمة على التوافق والتعددية وسيادة القانون.

لقد مثّل الدين في تجارب التحرير الوطني، ولا سيما في المجتمعات العربية والإسلامية، أكثر من مجرد عقيدة روحية أو منظومة شعائرية؛ فقد كان رأس مالا رمزيًا هائلًا بالمعنى الذي يجعل منه مصدرًا للشرعية الجماعية، وللتماسك الاجتماعي، ولإنتاج الهوية الوطنية في مواجهة الاستعمار. فعندما سعت القوى الاستعمارية إلى تفكيك البنى الثقافية واللغوية والدينية للمجتمع، تحول الدين إلى فضاء جامع أعاد تركيب الجماعة الوطنية على أساس الذاكرة المشتركة والقيم الأخلاقية والالتزام بالمصير الواحد. ومن ثم لم تكن المساجد والزوايا والمؤسسات الدينية مجرد أماكن للعبادة، بل تحولت إلى مدارس للمقاومة، ومنابر لتعبئة الجماهير، وحواضن لإنتاج النخب الوطنية، بما جعل رأس المال الرمزي للدين يضطلع بوظيفة استراتيجية في صيانة الوحدة الوطنية وتجاوز الانقسامات القبلية والجهوية والطبقية. وفي هذا المعنى، أصبح الدين قوة اندماج تاريخية، لا بوصفه بديلًا عن السياسة، وإنما بوصفه خزانًا للمعنى والقيم يمنح مشروع التحرر الوطني شرعيته الأخلاقية وقدرته على تعبئة المجتمع.

ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن استحضار مفهوم ظاهراتية الروح عند هيغل لفهم الكيفية التي يتشكل بها الوعي الجمعي في لحظات التحول التاريخي الكبرى. فالروح لا تبلغ وعيها بذاتها إلا عبر تجربة الصراع وتجاوز الاغتراب، حيث تنتقل الجماعة من الوعي الممزق إلى الوعي الحر القادر على إدراك ذاته باعتباره فاعلًا في التاريخ. وفي سياق حركات التحرر الوطني، يغدو الدين أحد الحوامل الرمزية التي تسهم في هذا الانتقال، إذ يساعد على تحرير الذات الجمعية من قيود التقليد الجامد ومن العدمية التي يولدها الاستعمار والاستلاب الثقافي، ويعيد بناء الثقة بالذات التاريخية وإمكاناتها الحضارية. غير أن هذا التحرير لا يكتمل إلا عندما يتحول رأس المال الرمزي للدين من مجرد استدعاء للماضي إلى قوة أخلاقية وعقلانية تدفع نحو تأسيس مواطنة حرة، ودولة عادلة، ومجتمع منتج، بحيث يصبح الوعي الديني جزءًا من مشروع نهضوي يحقق المصالحة بين الهوية والحرية، وبين الذاكرة التاريخية وآفاق المستقبل.

 

الديمقراطية والحل الديمقراطي

في المحور الثالث يرى الدكتور رفيق عبد السلام أن الإشكالية الديمقراطية في العالم العربي لا تُحلّ عبر تقديس الديمقراطية بوصفها وصفةً مكتملة صالحة لكل زمان ومكان، ولا عبر تبخيسها ورفضها باعتبارها منتجًا غربيًا مناقضًا للهوية. فالديمقراطية عنده ليست عقيدةً بديلة عن الدين، كما أنها ليست مجرد آلية انتخابية شكلية، وإنما هي منظومة سياسية وأخلاقية تقوم على المشاركة الشعبية، والتداول السلمي على السلطة، وضبط القوة بالقانون، وصيانة الحريات العامة. ومن هذا المنطلق يدعو إلى التعامل معها بوصفها تجربة إنسانية قابلة للتطوير والتكييف مع الخصوصيات الثقافية والتاريخية للمجتمعات العربية والإسلامية، بعيدًا عن ثنائية القبول المطلق أو الرفض المطلق.

وينتهي عبد السلام إلى أن الحل الديمقراطي لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على استيراد المؤسسات والإجراءات القانونية دون بناء الثقافة السياسية والمجتمع المدني والدولة القادرة. ولذلك فهو ينتقد في الوقت نفسه النخب التي رفعت الديمقراطية إلى منزلة النموذج المقدس المنفصل عن الواقع الاجتماعي، كما ينتقد التيارات التي اختزلت أزمات العالم العربي في الديمقراطية نفسها، فحمّلتها مسؤولية الإخفاقات التاريخية للدولة الوطنية. ومن ثم يدعو إلى رؤية وسطية تجعل الديمقراطية إطارًا لإدارة الاختلاف، وإنتاج التوافقات، وتحقيق الشرعية السياسية، وربط الحرية بالمسؤولية، والحقوق بالواجبات، بما يسمح ببناء نظام سياسي مستقر ومتوازن، لا يخضع للاستبداد ولا يسقط في الفوضى.

أما في تقديره لمآلات الإشكالات الديمقراطية، فإن عبد السلام يرى أن مستقبل الديمقراطية العربية يظل رهين تجاوز الاستقطابات الأيديولوجية الحادة، وإرساء ثقافة الحوار والتوافق، وبناء مؤسسات دستورية قوية قادرة على حماية الإرادة الشعبية من الانقلابات ومن هيمنة السلطة التنفيذية. فغياب هذه الشروط يؤدي، في نظره، إلى إعادة إنتاج الاستبداد أو إلى الانزلاق نحو الفوضى والصراع الأهلي، بينما يفضي ترسيخها إلى نشوء دولة شرعية تستند إلى سيادة القانون، واحترام التعددية، والتداول السلمي على الحكم. ومن ثم فإن مآل المشروع الديمقراطي، في تصوره، لا يتحدد بالانتخابات وحدها، وإنما بمدى نجاح المجتمعات العربية في التوفيق بين قيمها الحضارية ومتطلبات الدولة الحديثة، بما يجعل الديمقراطية مشروعًا للإصلاح التاريخي لا مجرد آلية إجرائية للحكم.

إن معالجة الدكتور رفيق عبد السلام لإشكالية الديمقراطية تمتاز بقدر كبير من الاعتدال والعمق الفكري، إذ يتجاوز الثنائية التقليدية التي تجعل الديمقراطية إما قيمة مطلقة مقدسة أو منتجًا غربيًا مرفوضًا، ويطرحها بوصفها تجربة إنسانية قابلة للتكييف مع الخصوصيات الحضارية العربية والإسلامية. غير أن هذا التصور، على الرغم من أهميته، يظل في جانب منه أقرب إلى التنظير المعياري منه إلى تقديم آليات عملية لمعالجة المعضلات البنيوية التي تعيق ترسيخ الديمقراطية في المجتمعات العربية، مثل هيمنة الدولة الريعية، وضعف استقلال المؤسسات، وتغلغل شبكات المصالح، وتأثير العوامل الإقليمية والدولية في مسارات الانتقال الديمقراطي. كما أن الرهان على التوافق وحده لا يكون كافيًا في المجتمعات المنقسمة ما لم يُدعَم بإصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة تعالج جذور التهميش وعدم المساواة، لأن الديمقراطية لا تستقر في فراغ سياسي أو اقتصادي، بل تحتاج إلى بيئة مؤسسية وتنموية تضمن استدامتها.

أما فيما يتعلق بمآلات الديمقراطية والثقافة الديمقراطية في المجتمع والدولة، فإن رؤية عبد السلام تُبرز بحق أن نجاح المشروع الديمقراطي لا يتوقف عند بناء المؤسسات الدستورية أو إجراء الانتخابات، وإنما يرتبط بتكوين ثقافة ديمقراطية قوامها الحوار، واحترام التعددية، وربط الحرية بالمسؤولية، وسيادة القانون. غير أن هذه الرؤية تستدعي توسيع دائرة التحليل لتشمل الدور الحاسم لمنظومات التربية والتعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد في إنتاج المواطن الديمقراطي، إذ لا يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى ممارسة راسخة إذا بقيت الثقافة السياسية أسيرة العصبيات الأيديولوجية أو الجهوية أو الزبونية. ولذلك فإن المآل الحقيقي للديمقراطية لا يُقاس فقط بسلامة المؤسسات، بل بقدرة المجتمع على إعادة إنتاج قيم المواطنة والثقة العامة والمشاركة المدنية بصورة مستمرة، بحيث تصبح الديمقراطية نمطًا للحياة العامة وثقافةً اجتماعية قبل أن تكون مجرد نظام للحكم أو آلية لتداول السلطة.

مازق الدولة العربية

يرى الدكتور رفيق عبد السلام أن أزمة الدولة العربية ليست أزمة إدارة أو أشخاص، بل هي أزمة تأسيس تاريخي وبنيوي رافقت نشأة الدولة الحديثة منذ نهاية الحقبة الاستعمارية. ففي تصوره، لم تتشكل الدولة العربية بوصفها تعبيرًا عن الإرادة التاريخية للأمة، وإنما نشأت في إطار تقسيمات استعمارية كرستها اتفاقية سايكس–بيكو، فأُقيمت الحدود السياسية على أسس جيوسياسية تخدم مصالح القوى الكبرى أكثر مما تعبر عن وحدة المجال الحضاري العربي. ومن ثم ورثت الدولة العربية جهازًا إداريًا وأمنيًا صُمم لضبط المجتمع لا لبناء الأمة، كما بقيت خاضعة لشبكات التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية للخارج، وهو ما جعل الاستقلال السياسي استقلالًا منقوصًا لم يرافقه استقلال حقيقي في القرار أو التنمية أو بناء المؤسسات الوطنية. ويؤكد المؤلف أن جذور الإخفاق العربي تكمن في هذا الانفصال بين الدولة والأمة، وبين السلطة والمجتمع، وفي استمرار التجزئة التي عطلت إمكانات التكامل العربي والوحدة التاريخية.

ويناقش الدكتور رفيق إشكالية الدولة العربية من خلال ربطها بأزمة الشرعية وأزمة المشروع الحضاري. فالدولة، في نظره، لم تنجح في التحول إلى دولة مواطنة وقانون، لأنها بقيت أسيرة منطق السلطة الأمنية، وضعف المشاركة السياسية، والارتهان للتوازنات الإقليمية والدولية. كما أن غياب التكامل العربي، واستمرار الحدود القطرية بوصفها حدودًا مغلقة، عمّق هشاشة الدول الصغيرة وأفقدها القدرة على بناء اقتصاد منتج وسياسات مستقلة. ولذلك يرفض المؤلف اختزال الأزمة في الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين أو بين التقليد والحداثة، ويرى أن أصل المشكلة يكمن في غياب مشروع تاريخي جامع يعيد بناء العلاقة بين الدولة والأمة، ويؤسس لتوازن جديد بين الوحدة والتعدد، وبين الحرية والاستقرار، وبين السيادة الوطنية والانفتاح على العالم.

أما مآلات هذه الأزمة، كما يستشرفها الدكتور رفيق، فهي استمرار حالة الإخفاق العربي ما لم يُعاد تأسيس الدولة على قواعد جديدة. فالدولة التي تستمر في الارتهان للتبعية الخارجية، وفي إعادة إنتاج الانقسامات التي أفرزتها سايكس–بيكو، ستظل عاجزة عن تحقيق التنمية والديمقراطية والاستقلال الاستراتيجي، وستبقى معرضة لدورات متكررة من الاضطراب والاستبداد والتدخلات الأجنبية. وفي المقابل، يدعو المؤلف إلى الانتقال من الدولة القطرية المنغلقة إلى أفق الدولة الوطنية المنفتحة على محيطها العربي، وإلى بناء مشروع نهضوي يزاوج بين الديمقراطية، والسيادة، والتنمية، والتكامل العربي، باعتبار أن تجاوز الإرث الاستعماري لا يكون بإلغاء الدولة الوطنية، وإنما بتحويلها إلى ركيزة لوحدة المصالح العربية واستعادة الفاعلية الحضارية للأمة في النظام الدولي المعاصر.

إن معالجة الدكتور رفيق عبد السلام لإشكالية فشل الدولة الوطنية العربية تتميز بقدرتها على تجاوز التفسيرات الاختزالية التي تحصر الأزمة في سوء الإدارة أو في طبيعة النخب الحاكمة، إذ يعيد جذورها إلى التأسيس التاريخي للدولة العربية الحديثة في ظل الإرث الاستعماري والتجزئة التي كرستها اتفاقية سايكس – بيكو، وما نتج عنها من انفصال بين الدولة والأمة وبين السلطة والمجتمع. غير أن هذه المقاربة، على الرغم من أهميتها، تميل إلى إعطاء العامل الجيوسياسي والاستعماري وزناً أكبر من العوامل الداخلية، مثل طبيعة البنى الاجتماعية التقليدية، وضعف المؤسسات، وإخفاق النخب السياسية في بناء عقد اجتماعي جديد. كما أن تفسير الأزمة من خلال التبعية والتجزئة وحدهما لا يكفي لفهم التفاوت الكبير بين تجارب الدول العربية، إذ إن بعض الدول استطاعت، رغم القيود ذاتها، بناء مؤسسات أكثر استقراراً وقدرة على إدارة التنمية، وهو ما يقتضي توسيع التحليل ليشمل الثقافة السياسية، وإدارة التنوع، وكفاءة الدولة، وآليات إنتاج الشرعية.

كما تكشف قراءة هذا المحور أن أزمة الدولة الوطنية العربية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بتفكك الفضاء العربي المشترك، وفشل الليبرالية العربية في إنتاج مشروع حداثي ديمقراطي قادر على بناء دولة المواطنة، كما ارتبطت أيضاً بفشل البرجوازية العربية في أداء دورها التاريخي بوصفها طبقة قائدة لعملية التحديث والتصنيع، على غرار التجارب الأوروبية والآسيوية. فقد بقيت البرجوازية العربية، في معظم الحالات، مرتبطة بالدولة الريعية أو بالمراكز الرأسمالية العالمية أكثر من ارتباطها بمشروع وطني منتج، بينما انحصرت الليبرالية العربية في خطاب سياسي ونخبوي محدود، دون أن تتحول إلى قوة اجتماعية قادرة على ترسيخ المؤسسات الديمقراطية. ومن ثم دخل مشروع النهضة العربية ومشروع التنوير العربي في أزمة مزدوجة، تمثلت في عجزهما عن التوفيق بين الأصالة والحداثة، وبين الهوية والديمقراطية، وبين الاستقلال الوطني والاندماج في الاقتصاد العالمي، الأمر الذي أفضى إلى فراغ فكري واستراتيجي استثمرته السلطويات الجديدة والصراعات الإقليمية.

وتقود هذه القراءة النقدية إلى أن مآلات الدولة العربية الهجينة تبدو شديدة التعقيد إذا استمرت في الجمع بين مؤسسات الدولة الحديثة وبنى الحكم التقليدية، وبين الاقتصاد الريعي وشعارات التنمية، وبين السيادة الشكلية والتبعية الفعلية للخارج. فمثل هذه الدولة تظل عاجزة عن إنتاج شرعية مستدامة أو تنمية منتجة أو ديمقراطية مستقرة، مما يجعلها عرضة لموجات متكررة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لذلك فإن تجاوز هذا المأزق لا يقتصر على إعادة بناء الدولة كما يقترح المؤلف، بل يقتضي أيضاً إعادة تأسيس المشروع النهضوي العربي نفسه على قاعدة إصلاح ثقافي وفكري واقتصادي شامل، يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع بمرجعياته الروحية الجامعة ، وينتج برجوازية وطنية منتجة ومرتبطة عضويا بالجذور التاريخية والذاكرة الجمعية الحضارية لراس المال الرمزي، ويؤسس لليبرالية اجتماعية ديمقراطية متجذرة في روحها الوطنية  وقادرة على فك الارتباط مع المتروبول والكارتلات الاحتكارية العالمية وبناء القاعدة المادية لراس المال الوطني وتجاوز عقدة الليبرالية الطرفية ، مما يبلور فضاءً عربياً تعاونياً قادراً على تجاوز التجزئة التاريخية واستعادة الفاعلية الحضارية في النظام الدولي المتغير.

الحداثة والتحديث

يعالج الدكتور رفيق عبد السلام، في المحور الخامس من الكتاب، إشكالية الحداثة والتحديث من خلال التمييز بين الحداثة بوصفها منجزًا تاريخيًا وحضاريًا وبين الحداثوية بوصفها أيديولوجيا تسعى إلى استنساخ النموذج الغربي خارج شروطه التاريخية. فالإشكال في تقديره لا يكمن في رفض الحداثة أو القطيعة معها، وإنما في تحويلها إلى شعار ثقافي مجرد منفصل عن حاجات المجتمع العربي ومسارات تطوره الواقعي. ولذلك يدعو الخطاب الإسلامي إلى تجاوز ثنائية القبول المطلق أو الرفض المطلق للحداثة، والانتقال إلى قراءة نقدية تستوعب قيم العقل والعلم والحرية والمؤسسات، دون التفريط في المرجعية الحضارية والثقافية للمجتمعات العربية والإسلامية. ويؤكد أن التحديث الحقيقي لا يتحقق باستيراد النماذج الجاهزة، وإنما ببناء مشروع حضاري يربط الإصلاح الفكري بالتنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي وبناء الدولة الوطنية القادرة على إنتاج المعرفة والعدالة والاستقلال، وهو ما ينسجم مع منهجه العام الذي يرفض اختزال أزمات العالم العربي في ثنائيات أيديولوجية مبسطة، ويدعو إلى مشروع تاريخي جامع


ويكشف الدكتور رفيق أن العلاقة بين الحداثة والعنف في التجربة العربية ليست علاقة حتمية، وإنما نتجت عن تبني مشاريع تحديث فوقية اعتمدت أجهزة الدولة والقوة الإكراهية لفرض أنماط ثقافية وسياسية جديدة دون توفير الشروط الاجتماعية والاقتصادية اللازمة. فالتحديث الذي يُفرض بالقسر الإداري أو الأمني، ومن دون مشاركة المجتمع، يتحول إلى مصدر للاستقطاب وإنتاج العنف المتبادل؛ إذ يولد مقاومات اجتماعية وثقافية تزداد حدتها كلما اتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع. ومن هذا المنظور، فإن أزمة التحديث العربي لم تكن في تبني قيم العلم أو العقل أو التنظيم الحديث، بل في غياب الديمقراطية، وضعف التنمية، واستمرار الدولة السلطوية التي حاولت احتكار مشروع الحداثة وتحويله إلى أداة للهيمنة السياسية بدل أن يكون مشروعًا للتحرر والإبداع. ومن ثم فإن تجاوز هذه الأزمة يقتضي الجمع بين الإصلاح السياسي والإصلاح الثقافي والنهضة الاقتصادية في إطار عقد اجتماعي جديد.


كما يوجه الدكتور رفيق نقدًا عميقًا إلى النزعة الحداثوية المنفصلة عن شروطها المادية والنظرية والاجتماعية، معتبرًا أن كثيرًا من الخطابات العربية تعاملت مع الحداثة باعتبارها مسألة لغوية أو ثقافية أو قانونية فحسب، بينما أهملت الأسس التي قامت عليها التجربة الغربية نفسها، من الثورة العلمية، والتحول الصناعي، وصعود البرجوازية المنتجة، وتطور المجتمع المدني، وبناء المؤسسات الدستورية. ولذلك فإن استيراد النتائج دون بناء مقدماتها التاريخية أدى إلى تحديث شكلي أنتج مؤسسات حديثة في الشكل، لكنها بقيت تعمل بعقل سلطوي تقليدي في الممارسة. ومن هنا يدعو إلى إعادة بناء مشروع التحديث العربي على قاعدة التكامل بين الفكر والإنتاج والحرية والتنمية، بحيث يصبح الخطاب الإسلامي شريكًا في إنتاج حداثة عربية أصيلة، تستلهم القيم الكونية للحداثة من دون الوقوع في التقليد الثقافي أو الانغلاق التراثي، وتؤسس لمشروع نهضوي قادر على تجاوز مأزق الدولة العربية ومآلاتها التاريخية.

ويعالج الدكتور رفيق كذلك الإشكالية العميقة للعلاقة بين الحداثة والعنف في سياق التحديث العربي، رافضًا اعتبار العنف نتيجة ملازمة للحداثة ذاتها، بل يربطه بطبيعة مشاريع التحديث السلطوية التي فرضتها الدولة العربية من أعلى عبر أدوات الإكراه السياسي والأمني، دون أن تسبقها عملية إصلاح اجتماعي واقتصادي وثقافي حقيقية. فحين يتحول التحديث إلى مشروع فوقي منفصل عن المجتمع، تتسع الفجوة بين الدولة وقواها الاجتماعية، وتنشأ أشكال متعددة من المقاومة والاستقطاب والعنف المتبادل. ولذلك يرى أن مأزق التحديث العربي لم يكن في تبني قيم العلم أو العقل أو التنظيم الحديث، وإنما في غياب الديمقراطية، وضعف التنمية، واستمرار الدولة السلطوية التي احتكرت مشروع الحداثة وحولته إلى أداة للهيمنة السياسية بدل أن يكون مدخلًا للتحرر والإبداع، وهو ما يجعل الجمع بين الإصلاح السياسي والإصلاح الثقافي والنهضة الاقتصادية شرطًا لتجاوز هذه الأزمة التاريخية.

وفي سياق نقده للنزعة الحداثوية العربية، يبين الدكتور رفيق أن كثيرًا من الخطابات تعاملت مع الحداثة بوصفها قضية ثقافية أو قانونية أو لغوية فحسب، متجاهلة الشروط المادية والنظرية والاجتماعية التي أنتجت الحداثة الغربية، وفي مقدمتها الثورة العلمية، والتحول الصناعي، وصعود البرجوازية المنتجة، ونمو المجتمع المدني، وترسخ المؤسسات الدستورية. ومن ثم فإن استيراد نتائج الحداثة دون بناء مقدماتها التاريخية أفضى إلى تحديث شكلي حافظ على المظاهر المؤسسية الحديثة، بينما بقيت البنية السياسية والثقافية محكومة بالعقل السلطوي التقليدي. وانطلاقًا من ذلك، يدعو إلى إعادة تأسيس مشروع تحديث عربي متكامل يقوم على الترابط بين الفكر والإنتاج والحرية والتنمية، ويرى أن الخطاب الإسلامي قادر على الإسهام في بناء حداثة عربية أصيلة تستلهم القيم الإنسانية الكونية دون الوقوع في التبعية الثقافية أو الانغلاق التراثي، بما يفتح أفقًا جديدًا لمشروع النهضة العربية وتجاوز مأزق الدولة الوطنية الحديثة.

علاقة الثورة والدين والدولة.

يرى الدكتور رفيق أن العلاقة بين الثورة والدين والدولة ليست علاقة تعارض أو تنازع صفري، وإنما علاقة ترابط عضوي داخل مشروع تاريخي واحد، لأن الثورة لا تبلغ غاياتها إذا بقيت مجرد انفجار احتجاجي منفصل عن منظومة القيم والمعنى، كما أن الدين يفقد وظيفته الحضارية إذا انحصر في المجال الوعظي بعيدًا عن أسئلة العمران والسياسة، بينما تتحول الدولة إلى جهاز إداري فاقد للمشروعية إذا انفصلت عن الإرادة الشعبية وعن المرجعية الأخلاقية التي تمنحها الشرعية والقدرة على الاندماج الاجتماعي. ومن هذا المنظور، يذهب رفيق إلى أن مشروع النهضة العربية والإسلامية يقتضي إعادة بناء هذا المثلث التاريخي على قاعدة التكامل بين الثورة بوصفها قوة للتغيير، والدين بوصفه مصدرًا لرأس المال الرمزي والأخلاقي، والدولة بوصفها الإطار المؤسسي الجامع الذي يحول القيم الثورية إلى سياسات عامة ومؤسسات مستقرة. فنجاح أي مشروع وطني لا يتحقق إلا عندما تتفاعل هذه المكونات الثلاثة داخل رؤية حضارية موحدة، تجعل الحرية والعدالة والتنمية والسيادة الوطنية عناصر متلازمة لا متنافرة.

وفي المقابل، يفسر رفيق أزمة الدولة الوطنية العربية بما يمكن تسميته بالتمزق البنيوي بين الثورة والدين والدولة، حيث جرى تفكيك الروابط الطبيعية بينها بفعل الاستبداد والتبعية والإرث الاستعماري. فقد بقيت الثورات العربية عاجزة عن إنتاج دولة جديدة، وبقي الدين في كثير من التجارب أسير الاستقطاب الإيديولوجي أو التوظيف السلطوي، بينما تشكلت الدولة الوطنية العربية بوصفها دولة هجينة تجمع بين مؤسسات حديثة في الشكل وبنى تقليدية وريعية وتسلطية في المضمون، الأمر الذي حال دون اكتمال مشروع التحديث السياسي والاجتماعي. ولذلك فإن منجز الدولة الوطنية ظل محدودًا ومتراجعًا، لأنها لم تستطع إنتاج عقد اجتماعي جامع، ولا بناء اقتصاد وطني مستقل، ولا تأسيس ثقافة ديمقراطية راسخة، فبقيت تتأرجح بين شرعية الثورة المفقودة، وشرعية الدين المؤجلة، وشرعية الدولة المنقوصة. ومن هنا يخلص رفيق إلى أن تجاوز المأزق العربي لا يكون بإقصاء أحد هذه المكونات، وإنما بإعادة تركيبها داخل مشروع إصلاحي تاريخي جديد، يؤسس لدولة وطنية ديمقراطية ذات سيادة، تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية، وتستوعب المرجعية الحضارية، وتترجم أهداف الثورة إلى مؤسسات قادرة على إنتاج الاستقرار والتنمية والنهضة.

استنادًا إلى مضامين الدراسة التي تناولت محاور كتاب "الإخفاق العربي" للدكتور رفيق عبد السلام، فإن هذه الدراسة تخلص إلى أن قيمة الكتاب لا تكمن في تشخيصه لأسباب الإخفاق العربي فحسب، بل في محاولته تأسيس رؤية فكرية واستراتيجية تعيد بناء العلاقة بين الثورة والدولة والدين والديمقراطية والحداثة ضمن مشروع حضاري متكامل. فقد أبرز المؤلف أن الأزمات العربية الراهنة ليست نتاج أحداث عابرة، وإنما هي حصيلة اختلالات تاريخية وبنيوية مست الدولة الوطنية، وأعاقت تشكل عقد اجتماعي جامع، وأنتجت أنماطًا من الاستبداد والتبعية والتجزئة. ومن خلال القراءة النقدية لمحاور الكتاب، يتضح أن تجاوز هذه الأزمات يقتضي الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء المشروع الحضاري، القائم على دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة، واقتصاد وطني منتج، وثقافة سياسية تؤمن بالحوار والتعددية، وتحقق المصالحة بين الهوية والحرية، وبين الشرعية الديمقراطية والمرجعية الحضارية، بما يعيد الاعتبار للإنسان العربي بوصفه الفاعل الحقيقي في صناعة التاريخ.

وفي النهاية، تؤكد هذه الدراسة أن كتاب "الإخفاق العربي" لا يقدم أجوبة نهائية بقدر ما يفتح أفقًا واسعًا لإعادة التفكير في أسئلة النهضة والدولة والثورة والتحديث في العالم العربي، ويحفز على مراجعة نقدية للتجارب الماضية بعيدًا عن التبرير أو الإدانة الأيديولوجية. ومن ثم فإن أهمية هذا العمل تكمن في قدرته على تحويل الإخفاق من نهاية مغلقة إلى لحظة وعي تاريخي، يمكن أن تؤسس لمشروع نهضوي جديد يستفيد من دروس الماضي، ويستوعب تحولات الحاضر، ويستشرف المستقبل برؤية استراتيجية تجمع بين الفكر والعمل، وبين الأخلاق والسياسة، وبين الحرية والتنمية والسيادة. وعند هذا الأفق، يصبح مستقبل الدولة العربية مرهونًا بقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها على أساس المواطنة وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، وبقدرة نخبها الفكرية والسياسية على إنتاج مشروع تاريخي جديد يخرج الأمة من دائرة الإخفاق إلى فضاء النهوض الحضاري والاستئناف التاريخي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©