→ جميع المقالات

ألمانيا دولة متدينة وشعب غير متدين!

ألمانيا دولة علمانية ولكنها مهد الإصلاح اللوثري والبروتستانتي الذي أقدم على التجديد داخل المنظومة المسيحية لا القطيعة معها.

أحمد عبد النبي أحمد عبد النبي ·
مشاركة
ألمانيا دولة متدينة وشعب غير متدين!

كنت أتجاذب الحديث مع مرافقي في برلين، فلاحظت له كثرة الكنائس، فعلق قائلا: ألمانيا دولة متدينة وشعب غير متدين.

واضح جدا أن كلامه مجرد انطباع عام لإنسان من عامة الناس، وليس لمثقف أو باحث فضلا عن مختص. لكن كلامه لا يخلو من وجاهة، ليس من جهة تدين الشعب الألماني من عدمه، فذلك موضوع أعقد من أن يكتفى فيه بمدى التزام الناس بالشعائر التعبدية، أو إتيان ممارسات سلوكية يربط الناس في العادة بينها وبين تدينه مهما كان دينه.

لكن الوجه الآخر من انطباعه هو الأحرى بالانتباه. فألمانيا دولة علمانية، ولكنها مهد الإصلاح اللوثري والبروتستانتي، الذي أقدم على التجديد داخل المنظومة المسيحية لا القطيعة معها. بقيت الدولة تحمل رؤية ترى في التدين جزءا مما يجمعها بمواطنيها. فكما أن للشعب مرجعيته الدينية، فإن الدولة لها أيضا مرجعيتها الدينية التي لم تفلح الرؤية الدهرية الهيجلية ولا نقيضتها الماركسية القطيعة معها.

وفي حين سعت العلمانية اليعقوبية الفرنسية إلى رفض الدين مرجعا لها، ودون أن تتخلى عن توظيفه لخدمة مصالحها في المستعمرات وحتى داخل الدولة أحيانا، كانت ألمانيا أكثر تصالحا مع هويتها الدينية، وأكثر استعدادا للتعاطي مع الدين بروح إيجابية. فهي دولة دستورية محايدة دينيًا، لكنها غير معادية للدين.

فعلاقتها بالدين تقوم على أربعة مبادئ متوازنة:

- لا دين رسمي للدولة.

- حماية قوية لحرية المعتقد وممارسة الشعائر.

- تعاون مؤسسي مع الجماعات الدينية - التي تستوفي الشروط القانونية - يصل حد تحصيل الضرائب باسمها من طرف الدولة وتحويله إليها، فضلا عن حماية حق الجماعات الدينية في تأسيس وإدارة المؤسسات الخدمية في مجالات التعليم والصحة والرعاية الإجتماعية، بل وتلقي المساعدات المالية من الدولة.

- خضوع جميع الأديان للقانون والدستور والمساواة أمامهما..

بالطبع فإن الأمر لا يتم بسلاسة ومن دون جدل أو احتكاك أو توجس، ذلك أن للدولة واجباتها ونواميسها في إدارة الفضاء المواطني. كما أنها ليست بمعزل عن الصراعات الإيديولوجية والجيوبوليتيكية والاستراتيجية، وثقل تاريخها القديم والحديث، وأزماتها وعقدها القديمة والجديدة ... إلا أن تعاطيها يبقى أكثر عقلانية.

ورغم أن ذكر "الله" في ديباجة الدستور الألماني لا يرتب التزامات قانونية مباشرة للدولة حيث يقول الدستور: "إدراكًا لمسؤوليتهم أمام الله والناس..."، إلا أن ذكر ذلك يمثل مرجعية عليا للدولة تترتب عليها مسؤولية عليهم تجاهه كما هي مسؤوليتهم أمام الناس. وهو ما يتفق مع ما يجمع عليه فقهاء القانون الدستوري من ضرورة وجود مرجعية عليا فلسفية وأخلاقية يستند إليها الدستور وتراعيها القوانين.

من هنا يمكن أن نفهم انطباع مرافقي الذي استطاع أن يلاحظ "تدين الدولة" في نفس الوقت الذي لم يلاحظ "تدين الألمان".


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©