في وقت قياسي جدا تمكنت سوريا بقيادة أحمد الشرع من رفع اسم سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب الذي دام بضع وأربعين سنة. إنه إنجاز استثنائي من جهة سرعة الحصول عليه. وكانت سوريا قد تمكنت من قبله الحصول على نجاحات أخرى اقتصادية ومالية وسياسية وأيضا استراتيجية. كما ختم الأنجاز بإعلان قسد حل فصيلها العسكري والاندماج في الجيش السوري.
أجتهد في متابعة ما يجري في سوريا عن كثب، منذ هجوم جبهة تحرير الشام في معركة ردع العدوان. أبحث عن المعلومة الدقيقة، وسط السيل المتدفق للأخبار والمتابعات والتحاليل من كل الأطراف المعنية. لكنني أعترف بأنني لم أظفر بما يريحني بخصوص فك شفرة ما يجري.
انتبهت إلى أهمية ذلك الاجتماع الذي جرى في الدوحة ليلة "فتح دمشق". وبدا لي أنه جرى فيه الإتفاق على قرار ترك عمية إسقاط الأسد ونظامه تمر. وهو ما حصل بالفعل ليلتها، رغم أنه كان يمكن إجهاضها أو إرباكها على الأقل. فهل كان القرار: دعوا بشار يسقط أم دعوا الشرع ينتصر ؟
يبدو أنه تم الاشتغال على تقديم صورة سيناريو تبدو فيه الأمور وكأنها تتحرك وفق صورتها العلنية. لكن هل كانت تلك هي الحقيقة؟ يصعب أن أصدق ذلك.
هل يعني أن كل ما حصل هو مجرد "فيلم" ؟ قطعا لا أيضا.
أين الحقيقة؟ لم تظهر بصورتها الجلية بعد.
اعتبار أن كل ما حصل أو جزؤه الرئيسي إنما هو ذكاء وشطارة أحمد الشرع وفريقه هو استهبال للمتابع، مع عدم التهوين من ذلك. فلا شك أن كثيرا من الخطط لا يمكن لها أن تنجح إذا لم يتوفر الفرد أو الكيان القادر إنفاذها أو هما معا.
اعتبار أن دور تركيا وأساسا علاقة الصداقة بين ترامب وأردغان كانت عاملا حاسما، أيضا رغم أهميتها، ليست كافية لتفسير النجاح، وأيضا من دون التهوين من دور تركيا كلاعب إقليمي قوي و"محاور" لأمريكا وروسيا. ومع ذلك فإن ذلك لا يكفي تفسيرا لما حدث.
وقوف السعودية المبكر والقوي لدعم النظام السوري الجديد (أول زيارة خارجية لأحمد الشرع كانت للسعودية) كان عاملا حاسما بدرجة كبيرة. والسؤال متى كانت المواقف العربية تتخذ بتلك السرعة وبذلك الحسم ؟! لقد اشتغلت بإمكانياتي المتواضعة على قراءة لغة الجسد (رغم أنها ليست عاملا تفسيريا) في أول زيارة للشرع للسعودية، واللقطات الترحيبية والتوديعية بينه وبين محمد بن سلمان، حيث بدت حذرة على غير التقاليد العربية في الاستقبال، وانتهت بالابتسامات العريضة والأحضان عند التوديع!
والكيان ... أين الكيان؟ اكتفى بتدمير المقدرات العسكرية والتوسع في الجولان ودعم الهاجري (بدعم إماراتي شبه خفي ) ومن دون صخب ! هنا ما يعنيني هو ما قد يكون لدى الكيان من معلومات استخبارية!
قبل إعلان واشنطن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كانت وزارة الخارجية السورية قد أصدرت بلاغا ربما هو البلاغ الأول في تاريخ الديبلوماسية العربية، تعلن فيه أن وفدا سوريا برئاسة وزير الخارجية التقى وفدا إسرائيليا برئاسة رئيس الاستخبارات، في إطار المفاوضات التي تجري بين الطرفين بخصوص قضايا الحدود والأمن واتفاقية 1974 بينهما، وذلك بعد أيام قلائل من قصف إسرائيل لقاعدة أبو الظهور في الشمال السوري، وعلى مقربة من الحدود التركية!
صحيح أن العرب قد تخلوا جميعا منذ مدريد عن التعليق بنظرية العلاقات الدولية الصفرية مع الكيان، بعد أن كان اختراقها يتم في الخفاء وفي كنف السرية، رغم محاولة السادات الجريئة. لكننا نشهد الآن "تشريعا" عمليا حاسما لمقابلها، يتم من قبل قوى تعتبر للأمس القريب النقيض النظري والموضوعي لكل ما يمت للتطبيع بصلة، وهو اختراق نوعي، سيغير من مفهوم السياسة مضمونا ومنهجا وممارسة. وها إننا في نفس الوقت نقرأ أخبار لقاء خليل الحية بصهر ترامب جاريد كوشنر، وإن لم تكن المقابلة الأولى، ألا أنها قد تكون الأولى على مستوى الإعلان المقصود عنها!
لقد كنت حريصا على الاستماع لتصريحات وخطابات وحوارات أحمد الشرع المعدة والمرتجلة منذ انطلاق العملية، والخيارات العملية التي اتخذت بخصوص التعامل مع الوضع، وما كشف عنه هو أو كشفه غيره من اتصالات خلال المعركة، وبدا لي أن هناك مخططا دقيقا مسبقا، لا أستبعد فيه ذكاء القائمين عليه واستعداداتهم، ولكنني لا أستطيع أن أقبل أنه كان فقط بمجهودهم الخاص، أو أنه لم يكن قد تم التمهيد له من خلال الاتفاق عليه بصورة ما مع من يرون في الاتفاق معه شرطا حاسما أو ضروريا لنجاح المعركة وخاصة نجاح ما بعدها.
والآن أين نحن الآن؟ لا أدري بالضبط ... كل ما أقوله أن نظرية العلاقات الصفرية، التي كانت تتبناها قوى التغيير في الوطن العربي سابقا، مريحة نظريا، وتبدو "صافية" وبدون تعقيد، ولكنها لا تحتمل نسب نجاح. فهي إما نجاح وإما فشل، إنها معارك كسر عظم، تكسرني أو أكسرك، ولا مطمع في حلول وسط فيها غالبا.
أما مقابلها، فهي مغرية من جهة، ومكلفة من جهة أخرى. قد تحقق نجاحات ملموسة، ولكنك تدفع في القابل خسائر لا يستهان بها. الحساب فيها بالنقاط وليس بالضربة القاضية، والنجاح الاستراتيجي فيها رهين القدرة على التحمل والصبر والنفس الطويل، والمراهنة على التحولات البنيوية والجيوستراتيجية. فليس لك أن تتصور نجاحا لدولة قطرية مهما كان حجمها في محيط تحكمه دويلات مماثلة، وتجثم على صدره قوى إقليمية نافذة، ورقابة لصيقة وتأثير مباشر للقوى العظمى.
كانت تلك نتائج معاركنا التحريرية في الخمسينات، التي رفعت السلاح، واعتمدت منطق العلاقات الصفرية، ولكنها انتهت إلى مساومات، وهو ما يتبدى لي حاليا في شأن سوريا.
خارج منطقتنا العربية يبدو المثال الأفغاني نشازا، يعيش بين أحضان جباله الشامخة ورجاله الذين يشبهونها. هناك حيث سقطت ثلاث إمبراطوريات، وأرغمت على المغادرة تجر أذيال الخيبة والخسران. وحيث يبني الأفغان دولتهم على مزاجهم الخاص ولا يبالون بمن أعرض عنهم.
مثال مستفز، يتجنب الجميع الاقتراب منه، والخوض في شأنه، تجاهلا اوتكبرا أورهبة. وقد كان الشرع حريصا على أن تكون أول تصريحاته أن سوريا ليست أفغانستان !
أنا لا أقول إن سقوط الأسد كان مسرحية، ولا أقول إن الشرع لم ينتصر عسكريا، ولا أقول إن تركيا أو السعودية أو أمريكا صنعت العملية. أقول فقط إنني لا أستطيع تفسير السرعة التي انتقل بها العالم من التعامل مع الأسد باعتباره أمرا واقعا إلى التعامل مع الشرع باعتباره أمرا واقعا، من دون افتراض أن سيناريوهات ما بعد الأسد كانت قد نوقشت قبل سقوطه، وأن بعضها على الأقل كان قد حظي بقبول القوى القادرة على التأثير فيه بل والاشتغال عليه مبكرا وبناؤه وسط صخب الصراعات.